: آخر تحديث

لماذا كانت التضحيات؟

4
4
2

لإبراز الموقف الشخصي من القضايا الساخنة أو الأحداث المهمة، أو لبحث موضوعٍ ما أو التعليق على المجريات الراهنة، يبدأ الكُتَّاب في الكثير من الأحيان بإدراج الخبر أو التصريح ومن ثم يبدؤون بالكتابة عنه، ولكني خالفتُ القاعدة هذه المرة وانتظرتُ بعض الوقت علّني أرصد ردود الفعل السلبية والإيجابية حيال حدثين بارزين وقعا خلال الأيام القليلة الماضية، وذلك قبيل إبداء الملاحظة والتوقف عندهما.

فالخبر الأوَّل متعلِّق بإخلاء حزب العمال الكردستاني لأربعة مواقع جديدة بعدما أعلن الحزب في بيان أصدره الأسبوع الماضي أنه سحب جميع مسلحيه من تركيا، كما قام بإخلاء 4 أنفاق ومواقع عسكرية في متينا غرب زاب بإقليم كردستان العراق، في الفترة ذاتها، هذا بالرغم من أن تلك المواقع بعيدة عن الحدود، ولكن الخطوة أتت كباقي المبادرات السخيّة لذلك التنظيم، والخبر الثاني كان له علاقة بمنتدى ميري بأربيل، الذي انعقد في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، وما صرّح خلاله رئيس إقليم كردستان العراق نجيرفان بارزاني.

وظهر أن الخبر الأوَّل مَرَّ مرور الكرام، وكأنه أمر عادي جدًا أن يسلِّم مواقعه بكل سهولة تنظيم ثوري مضى على إعلانه الكفاح المسلح حوالي أربعة عقود، علمًا أنه ما من أنباء تتحدث عن البديل المفترض وما الذي سيناله ذلك التنظيم لقاء إخلاء تلك المواقع، وذلك حتى يعرف المتلقي بأن التسليم ليس بالمجان كما هو حال المبادرات السابقة لحزب العمال الكردستاني، إذ إن المحسوبين على ذلك التيار لم يزعج خاطرهم خبر التخلي، ولا سمعنا بأن بعضهم احتج على قرارات تنظيمهم بخصوص أمر إخلاء مواقعه العسكرية من دون مقابل.

بينما الخبر الثاني فمُنيَ بردود فعل مباشرة تالي تصريحات رئيس إقليم كردستان العراق نجيرفان بارزاني، والأمر اللافت للنظر هو أن من اعترضوا على ما تفوه به بارزاني لم يكونوا حياديين ولا كانوا من الطرف المعادي لتوجهه وخطه السياسي، إنما جلهم كانوا محسوبين على نفس النهج والتوجه الذي يمثله بارزاني، ومع ذلك عبَّروا عن عدم رضاهم، بل وعن نفورهم مما صدر عن بارزاني بخصوص قضية الكرد في سوريا وقصة اندماج قوات سوريا الديمقراطية.

علمًا أننا إذا ما وضعنا الحدثين بجانب بعضهما البعض وقمنا بكشف آثارهما السلبية لرأينا بأن تصريح نجيرفان ليس له تبعات خطيرة ولا هو بكل ذلك السوء الذي تم تصويره من قبل منتقديه المحسوبين على ذات النهج، بينما نبأ إخلاء المواقع العسكرية وقبلها تسليم السلاح فكأنه كان خبرًا عاديًا جدًا، إذ مَن يعرف عمر ذلك التنظيم المسلح وحجم الدمار والقرابين التي تم تقديمها طوال تاريخه النضالي توقّع بأن يكون للحدث عواقب مباشرة لدى القاعدة الشعبية المحسوبة على ذلك التنظيم، إلا أن الخبر لم يترك أي أثر ملحوظ في تلك القاعدة، ما يعني بأن تلك الكتلة البشرية إما أنها أعلنت بينها وبين ذاتها الاستسلام التام بعد تتالي الهزائم والنكسات، وبالتالي لم تجد حتى الجدوى في الاعتراض والنقد بعد تتبع الكوارث، وإما أن الكتلة المؤدلجة ما تزال مؤمنة بالذي يختاره التنظيم وقادته، سواء أكان الفعل خيرًا لهم أم شرًا عليهم.

على كل حال، فإذا ما كانت الصورة بألف كلمة في عالم الصحافة، فإن رأي شخصٍ واحدٍ بصير يعادل رأي ألف شخصٍ غُسل دماغه بمحلول الأيديولوجيا، لذا حيال التنازلات المتلاحقة لحزب العمال الكردستاني بدون تحقيق أي هدف من الأهداف التي تأسس من أجل نيلها بعد كل التضحيات منذ ولادته إلى تاريخ اليوم، بودنا إيراد القصة الشعبية التي أوردها السجين السياسي السابق الكاتب محمد نور الدين يكتا.

جاء في المرويات الشعبية بأن الآغا وخادمه كانا قد خرجا من البيت وقصدا البراري بغرض الصيد، وأثناء السير انتبها من بعيدٍ إلى كومة من مخلفات الدواب وضعها أحدهما في حقله من أجل توزيع السماد الطبيعي على الحقل كله، وعند وصولهما إلى جانب بيدر الروث، خطرت للآغا فكرة غريبة، فقال على إثرها لخادمه: ما رأيك بأن تأكل مقدار كمشة من روث الدواب ومقابل ذلك أعطيك كل ما أملك؟ ففي البداية انزعج الخادم من ذلك الطرح اللامقبول، ولكن الآغا أغراه بالأموال والممتلكات التي ستصبح كلها ملك يمينه وتكفي أولاده وأحفاده إذا ما قام بأكل كمية قليلة من الروث، عندها فكر الخادم بالأمر وقال بينه وبين نفسه: دعني آكل كمشة من الروث، صحيح بأنني قد أستفرغ ولا تقبل معدتي تناول الروث، ولكني على الفور سألفظ ما تلقفته ومن ثم أصبح غنيًا، وحينها قرر الخادم تناول مقدارٍ من الروث، ففي البداية سعل ودمعت عيناه ومن ثم رمى ما في فمه، وعقب رمي كل آثار الروث من فمه عاد إلى حالته الطبيعية.

ولكن بعد مضيهما في طريق الصيد، ندم الآغا على ما اقترحه، وراح الآغا يردد في سره قائلًا: بسبب كمشة من الروث خسرتُ كل ممتلكاتي، بينما خادمي حصل على كل ما أمتلك، وأثناء العودة إلى البيت بدأ الشك كذلك الأمر يراود الخادم، وصار هو الآخر يفكر بالأمر ويقول بينه وبين ذاته: إذا ما سألني الناس عن كيفية حصولي على كل هذه الممتلكات فماذا سأقول لهم غير إخبارهم بالحقيقة، وهي أنني ربحت كل هذه الأموال بسبب تناولي كمشة من روث الدواب؟

وبعد أن بانت علامات الندم على كليهما، وفور وصولهما أثناء العودة من الصيد إلى نفس المنطقة الموازية لكومة الروث في ذلك الحقل، قال الخادم للآغا: يا آغا، أنا تناولت كمشة من الروث وحصلت بموجبها على كل ممتلكاتك، فما رأيك بأن تتناول أنت الآن كمشة من الروث لأعيد لك كل ممتلكاتك؟ فقبل الآغا بالمقترح وترجَّل عن جواده وتناول الآغا مقدار قبضةٍ من الروث، ووقتها حصل للآغا مثل الذي حصل للخادم عندما باشر بأكل الروث، وبالرغم من فظاعة طعم الروث، إلا أنه بفضل تلك الكمشة استُرجعت كل الممتلكات من الخادم.

وعند الوصول إلى بيت الآغا، أمسك الخادم برسن الجواد لكي يترجل عنه الآغا، عندها راح يقول الخادم للآغا: يا بيك، عندما انطلقنا صباحًا من البيت إلى الصيد كنتَ أنت سيدي وأنا خادمك، وعند العودة إلى البيت كذلك الأمر، فأنتَ ما زلت السيد وأنا غلامك، أي أن كل شيء مثلما كان ولم يتغير أي شيء. فيقول الآغا: صحيح ما تشير إليه. عندها قال الغلام: طالما الأمر كذلك، فيا ترى لماذا أكلنا ذلك الروث؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.