سهام القحطاني
- من يتأمل أقوال سمو ولي العهد محمد بن سلمان آل سعود -حفظه الله- سيكتشف أن خطابه اللغوي يعتمد على العبارات الموجزة المكثّفة بتعدد الدلالات، وهذا المسار اللغوي لخطاب سموه أصبح “علامة بلاغية” تميزه.
وثمة العديد من المسوغات للخصائص البلاغية لخطاب سموه، منها على سبيل المثال:
- طبيعة لغة جيله:
فهو ينتمي إلى “جيل الشباب” الذي يميل إلى الاختصارات والتعبير المباشر عن المعنى.
- طبيعة دراسته “للقانون”:
فاللغة القانونية هي لغة تتميز بالإيجاز والوضوح والكفاية الدلالية.
- ثقافته الجماهيرية:
فهو يعلم أنه عندما يتحدث سيستمع إليه الجميع ويتداولون أقواله، والأمر ليس قاصراً على السعوديين، بل العالم كله، وقد مكنته هذه الثقافة من اختيار عبارات سريعة التداول، واضحة المعنى، مناسبة لمختلف الفئات الاجتماعية والمستويات الثقافية.
- وضوح المقصد وتحقيق كفاية الغاية:
تتميز شخصية سمو ولي العهد محمد بن سلمان بالعملية، كما تتميز طريقة تفكيره بالوضوح، وهما ميزتان انعكستا على خطابه اللغوي، فهو إلى جانب خاصية الإيجاز وكفاية الدلالة، يحرض على تحديد كفاية المقصد ووضوحها، وهذا التحديد يحمي خطابه اللغوي من التأويل والتنازع حول مقاصده، كما يُيسر وصول كفاية المقصد بوضوح بعيداً عن مشتتات التأويل.
فهو يمثل تجسيداً حقيقيا لمقولة النفري “عندما تتسع الرؤية تضيق العبارة”.
فمن يملك رؤية يملك حكمة القول وبلاغة الإيجاز.
- الإحالة الرمزية:
يحرص سمو ولي العهد محمد بن سلمان في خطابه اللغوي على توظيف الإحالات الرمزية التراثية مثل استحضاره لجبل “طويق” وهو ما يمنح خطابه أصالة، ويؤنسن الجغرافيا السعودية مستثمرًا رمزيتها في تعزيز قيم الإنجاز، وتحفيز المواطنين في إعادة تأمل كنوزهم التاريخية.
- القرب اللغوي من الناس:
من يتأمل لغة خطاب سمو ولي العهد سيلاحظ بأنها لغة تجمع بين لهجات مناطق المملكة، ويفهمها أبناء المناطق جميعاً، وهذا القرب بين الخطاب اللغوي لسموه ولهجات كل مناطق المملكة من أسباب جماهيريته الكبيرة، ومحبة الجميع له، فهو بلغته التي تجمع بين لهجات المناطق يرسل رسالة إلى الجميع بـأنه معهم وجزء منهم، فاللغة حينا رسول محبة بين القلوب.
- الواقعية:
يبنى الخطاب اللغوي لسمو ولي العهد على الواقعية سواء في تناوله الأهداف القريبة أم بعيدة المدى، وهذه الواقعية من أهم مميزات الخطاب اللغوي لسموه؛ لأنه يهدف إلى رسم إطار واقعي يصدقه الناس ويعيشون تفاعلاته.
فعندما قال سموه: “لن ينجو فاسد” تجسدت واقعية هذا المعنى في “نزاهة” هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، مصاحبة إحصاءات تعلن على مسمع ومرأى من الناس.
فالخطاب مهما بلغت بلاغته، إذا لم يتحول إلى واقع، فقد تأثيره الوجداني مع الأيام.
- الصيغة الوجدانية للخطاب البلاغي لسمو ولي العهد:
يمكن أن نحدد ثلاثة مصادر للصيغة الوجدانية لخطاب سمو ولي العهد:
أولها: الإحالات إلى الرموز التاريخية والوطنية لدى السعوديين مثل قوله: “همة السعوديين مثل جبل طويق ولن ينكسر”.
وثانيها: مشهديّة التغير وواقعيته كما في قوله “أنا أدعم السعودية، ونصف السعودية من النساء؛ لذا أنا أدعم النساء” وما ترتب على هذا التوجيه من مشهدية تغير لواقع المرأة السعودية سواء في توسيع الحقوق والحريات أم في تعزيز فرص التمكين.
وثالثها: توثيق الإنجاز، ومن أمثلته، “سيارات سير” بوصفها نموذجا للصناعة السعودية المصممة لتُناسب طبيعة طرق المملكة.
- العبارة الأيقونة:
يمتلك سمو ولي العهد، بما يتسم به خطابه اللغوي من خصائص، القدرة على صياغة عبارات بلاغية تتحول إلى أيقونات فكرية بين الناس بحيث تُصبح جزءاً من الخطاب الشعبي والثقافي ومنها:
“أعيش بين شعب جبار وعظيم، لا يعرف المستحيل” “نحن لا نحلم نحن نفكر” و”شعب طموح” و”طموحنا أن نبني وطناً أكثر ازدهاراً” “لا نعمل إلا مع الحالمين، أولئك الذين يريدون خلق كل شيء جديد”.
واليوم تتربع مقولته الأيقونية “ثار ولدك عندي” على فضاء الأثير عبر العالم، يستحضر من خلالها قيم راية الإمام الحامي، الذي قوله “سيف حق وعدل”.
“ثار ولدك عندي”:
ليست مجرد جملة تجاوزت فضاء أثير المكان والزمان، ليصل صوتها المزلزل خارقة آذان كل عدو وحاقد، بل هي “الوعد الصادق” من قائد يمثل غضبه طوفان نوح على أعدائه.
من قبل 117سنة هجرية وقف الشاعر ابن عثيمين واصفاً المؤسس الخالد الملك عبدالعزيز- رحمه الله -وقائلاً:
ومُشمعل أخو عزم يشيعه
قلب صروم إذا ما هم لم يهب
وتدور عقود السنوات بآحادها وعشراتها لنقف في انبهار ساطع، ونردد ذات القول ليس ما أشبه الليلة بالبارحة! بل “ما أشبه الحفيد بالجد!”.
بارك الله لنا في ولي عهدنا وحفظه من كل شر.

