أكتب في إيلاف، وأدافع عن استقلالها التحريري وحقها في نشر آراء تختلف مع مواقفي اختلافًا جذريًا. ومن هذا الموقع تحديدًا أعترض على قرار نشر مقال للمتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، إيلا واوية. فالمسألة لا تتعلق بمنع صوت إسرائيلي من الوصول إلى القارئ العربي، بل بالفرق بين الرأي المستقل والخطاب الرسمي الصادر عن مؤسسة عسكرية تخوض حربًا وتعمل، في الوقت نفسه، على تبريرها أمام الرأي العام.
في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، نشرت إيلاف مقال واوية عن الذكرى الثالثة لهجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، وعرّفت الكاتبة في نهايته بصفتها ضابطة برتبة مقدم ومتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي. هنا لا يوجد إخفاء للهوية المهنية، وهذا أمر ينبغي الإقرار به. لكن الإفصاح عن صفة الكاتب لا يعفي هيئة التحرير من السؤال الأصعب: لماذا يُمنح خطاب جيش محارب هيئة مقال رأي، من دون أن يُخضع ادعاءاته لما تستلزمه الصحافة من مساءلة وتدقيق؟
تكشف اللغة، قبل الأرقام، طبيعة النص. تقول واوية حرفيًا: "بالنسبة إلينا في إسرائيل"، ثم تعرض الحرب من داخل منظور الدولة التي تنطق باسم جيشها. ضمير الجمع هنا ليس تفصيلًا بلاغيًا، بل إعلان صريح عن موقع المتكلم. وحين تُقدَّم هذه الرواية على أنها "التحليل الاستراتيجي والموضوعي"، تتحول المصلحة المؤسسية إلى معيار للحقيقة. لا يعيب المتحدثة أنها تدافع عن المؤسسة التي تمثلها، فهذا من صميم وظيفتها. ما يثير الاعتراض هو أن تُعامَل هذه الوظيفة كأنها مساهمة فكرية مستقلة.
ثم تأتي الأرقام التي تجعل الإشكال أكثر فداحة. تكتب: "نحو مئة ألف هدف عسكري"، وتحدد بينها "نحو 65 ألف هدف في قطاع غزة"، ونحو 28 ألفًا في لبنان وسوريا، ونحو 4٬500 في العمق الإيراني، إلى جانب عشرات الأهداف في اليمن. إنها حصيلة يقدمها الجيش عن عملياته، وليست إثباتًا مستقلًا بأن كل موقع كان هدفًا عسكريًا مشروعًا، أو أن كل ضربة امتثلت للقانون. ومع ذلك، تنتقل الكاتبة مباشرة إلى ما تسميه استعادة الردع. هكذا تصبح كثافة القصف دليل نجاح، فيما يغيب الحساب الإنساني والقانوني الذي ينبغي أن يرافق أي حديث عن عشرات الآلاف من الضربات.
والسؤال الذي لا تجيب عنه هذه الأرقام هو: ماذا استُهدف فعلًا، وكيف جرى التحقق من طبيعة الهدف، وما الضرر المتوقع على المدنيين، وما الاحتياطات المتخذة لتفاديه؟ لا تكفي تسمية الموقع "هدفًا عسكريًا" لإثبات مشروعية ضربه. فالقانون الدولي الإنساني يفرض مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط، وهي التزامات مستقلة عن رواية أي جيش بشأن نجاح عملياته. وحين تتحول الحصيلة المعلنة إلى سجل إنجاز من دون مساءلة عن القتلى والجرحى والتهجير وتدمير الأحياء والمرافق المدنية، تُستبعد الضحية من المعادلة التي يفترض أن تكون فيها حاضرة في المقام الأول.
ولا يقتصر الأمر على الانتقاء العددي. تختزل واوية مستقبل المنطقة في مقابلة بين نموذج تصفه بالتطرف والتدمير وآخر تصفه بالحياة والتنمية، ثم تختم بأن "اخترنا الحياة". غير أن هذه الثنائية الأخلاقية تتيح لمؤسسة عسكرية أن تحتكر لغة الحياة في اللحظة التي يتعين فيها إخضاع أفعالها لأشد درجات الفحص. وهي لا تناقش حجم الكلفة البشرية في غزة بقدر ما تعيد توزيع المسؤولية عنها على الطرف الآخر، وتترك استخدام إسرائيل للقوة خارج المحاسبة الجدية.
تستحضر واوية أيضًا هويتها العربية والإسلامية والإسرائيلية. لا يجوز التشكيك في حقها في تعريف نفسها كما تشاء، ولا في انتمائها. لكن لهذه العبارة وظيفة خطابية واضحة في نص صادر عن متحدثة عسكرية وموجّه إلى جمهور عربي: تقديم الرواية الرسمية بلسان قريب ثقافيًا من المخاطَبين. المشكلة ليست في هويتها، بل في استخدام القرب اللغوي والثقافي لإضفاء المصداقية على ادعاءات تحتاج إلى أدلة، لا إلى ألفة.
إن استهداف المدنيين وأخذ الرهائن في هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) يستوجبان الإدانة بلا مواربة. وهذه قاعدة مبدئية لا تتغير باختلاف هوية الفاعل. لكن جرائم طرف لا ترفع عن الطرف الآخر التزاماته، ولا تمنحه تفويضًا مفتوحًا في استخدام القوة. وقد أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة في الدعوى المقامة بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، من دون أن تكون قد أصدرت حكمًا نهائيًا يقرر وقوع الإبادة الجماعية. الدقة هنا واجب، لأنها تمنع الخلط بين ما قضت به المحكمة وما لا يزال معروضًا عليها، ولا تسمح في المقابل باستخدام غياب الحكم النهائي ذريعة لتجاهل المخاطر والأدلة والالتزامات القانونية القائمة.
وينبغي كذلك عدم الخلط بين الدعاية العسكرية وبين جريمة التحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية. لا أزعم أن مجرد نشر هذا المقال يثبت توافر أركان تلك الجريمة. الدعاية قد تعمل من دون دعوة صريحة إلى العنف، عبر الحذف والانتقاء واللغة التي تجرّد المعاناة من وجوهها، وعبر تقديم الرواية الرسمية بصفتها وصفًا محايدًا للواقع. وهذا بالضبط ما يستحق النقد هنا: نص يبرر القوة ويعيد تعريف نتائجها من داخل المؤسسة التي مارستها.
ولذلك فإن البديل ليس إسكات واوية أو حظر الآراء الإسرائيلية. ليُجرِ الصحافيون معها مقابلة علنية، وليُسأل الجيش عن الأساس الذي صُنفت بموجبه تلك الأهداف، وعن التحقيقات في الضربات التي أصابت المدنيين، وعن الأدلة التي تسند أرقامه. ولتُنشر أجوبته إلى جانب النتائج المستقلة وتقارير الضحايا والمؤسسات الحقوقية. هذا عمل صحافي. أما أن تُنقل رواية الجيش على صفحات الرأي بوصفها قراءة استراتيجية مكتملة، فذلك يمنح جهة تملك أصلًا أدوات هائلة للتأثير منفذًا إضافيًا إلى الجمهور من دون امتحان كافٍ.
يتضاعف هذا الخلل بينما يدفع الصحافيون الفلسطينيون ثمنًا باهظًا لتوثيق ما يجري في غزة، وفي ظل القيود الشديدة على دخول الصحافة الأجنبية المستقلة إليها. هؤلاء لا يكتبون من مقار قيادة محصنة، بل من مجتمع أصابته الحرب في أهله وبيوته ومؤسساته. المفارقة الأخلاقية صارخة: من يحاول تسجيل آثار القوة يواجه أخطارًا جسيمة، فيما يتاح لمن يتحدث باسم القوة أن يعرض سجلها باعتباره إنجازًا من دون مواجهة مماثلة بأسئلة الضحايا.
أحترم حق إيلاف في اتخاذ قراراتها التحريرية، وأحترم حق منتقديها في مساءلتها. وبوصفي أحد كتّابها، لا أطلب منها امتحانًا سياسيًا للانتماء، بل معيارًا مهنيًا واحدًا لكل أصحاب السلطة. ويظل سؤال الاتساق مشروعًا: هل كانت إيلاف لتفتح المساحة نفسها، وبالصفة نفسها، لمتحدث رسمي باسم جيش طرفٍ آخر في النزاع يعرض عملياته باعتبارها إنجازًا؟ لا أزعم أنني أعرف جوابها، لكن المعيار المهني لا يكون معيارًا إلا إذا طُبّق على الجميع. وإذا رأت هيئة التحرير أن نشر خطاب رسمي لجيش طرف في حرب يخدم المصلحة العامة، فمن حق القراء أن يعرفوا ما الضوابط التي حكمت النشر، وكيف جرى التحقق من الادعاءات، ولماذا لم تُقدَّم معها مساءلة حقيقية. استقلال الصحيفة لا يُقاس فقط بقدرتها على فتح صفحاتها لمن تختلف معهم، بل أيضًا بقدرتها على مساءلة من تمنحهم تلك الصفحات.
سأظل أدافع عن حرية من أختلف معهم في الكلام، بما في ذلك المتحدثون باسم الجيوش. حرية التعبير لا تعني منح الجيوش حق تحويل الصحافة إلى امتداد لأجهزتها الدعائية. والصحيفة التي تمنح الخطاب العسكري الرسمي مكانة الرأي المستقل، من دون أن تُخضعه للمساءلة، تخاطر بالتخلي عن وظيفتها الرقابية. فالصحافة التي لا تسائل القوة لا تكتفي بالصمت أمامها، بل قد تصبح إحدى أدواتها.


