لم تكن زيارة الشيخ منصور بن زايد آل نهيان إلى الرياض في التاسع والعشرين من سبتمبر مجرد لقاء جديد بين قيادتين تجمعهما علاقات وثيقة، ففي وقت تتعرض فيه الممرات البحرية ومنشآت الطاقة والمطارات لتهديدات متلاحقة، يفرض أمن الخليج سؤالًا يتجاوز تبادل المواقف وإعلان التضامن وهو: كيف يمكن تعزيز الردع، وحرمان من يهدد المنطقة من المكاسب التي يسعى إلى تحقيقها، حتى عندما لا يكون منع كل اعتداء ممكنًا؟ هذا السؤال يمنح الزيارة والاتصالات التي تلتها بين أبوظبي والرياض دلالة أعمق، ويعكس أهمية استمرار التشاور لحماية المصالح المشتركة مهما تعقدت الظروف الإقليمية.
ولقد التقى الشيخ منصور بن زايد، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، خلال الزيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، والأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، وما لفت انتباهي في الوفد الإماراتي المرافق حضور مسؤولين عن الأمن الوطني وإدارة الطوارئ والأزمات والتمكين الدفاعي، وقد لا تكشف تركيبة الوفد تفاصيل المباحثات، لكنها تتيح قراءة الزيارة أيضًا من زاوية الاستعداد للأزمات والقدرات الدفاعية، من دون الجزم بمضمون التشاور. وتلتقي هذه الاختصاصات عند سؤال واحد: كيف تُحمى المصالح الحيوية عندما يتجاوز أثر الاعتداء موقعه المباشر؟
فالصاروخ الذي يستهدف منشأة للطاقة لا يحتاج إلى عبور حدود دولة ثانية حتى يلحق الضرر باقتصادها، يكفي أن تتعطل الإمدادات، أو ترتفع أجور النقل والتأمين، أو تتراجع قدرة الموانئ والمطارات على العمل، حتى تنتقل الخسارة إلى شركاء لم يكونوا طرفًا في الهجوم. وهذه إحدى الحقائق التي تجعل أمن الإمارات والسعودية مترابطًا بصورة تتجاوز الجوار الجغرافي. فالبلدان يمثلان مركزين مهمين للطاقة والتجارة والاستثمار، وأي اضطراب واسع يصيب أحدهما لا يبقى محصورًا في حدوده.
ولم تكن العلاقات الإماراتية–السعودية يومًا مجرد علاقة جوار تحكمها الضرورات الجغرافية، فقد بنت القيادتان على مدى سنوات رصيدًا من التنسيق والعمل المشترك. وتبرز زيارة الرياض والاتصالات اللاحقة أهمية المحافظة على قنوات التشاور، فمتانة العلاقات لا تُقاس بغياب الاختلافات وحده، وإنما بالقدرة على مواصلة التعاون حيث تتلاقى المصالح، مع احترام استقلال القرار والأولويات الوطنية لكل دولة.
ولعل التطورات المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب تقدم مثالًا واضحًا على طبيعة الاختبار، فقد أصبح تهديد الملاحة قادرًا على التأثير في اقتصادات المنطقة حتى عندما تستمر بعض السفن في العبور، لأن تكاليف التأمين والنقل ومخاطر التأخير قد تفرض أعباء تتجاوز الخسائر المباشرة للهجمات، كما أن تنويع مسارات التصدير يقلل الاعتماد على ممر واحد، مع بقاء الحاجة إلى حماية المسارات البديلة وضمان قدرتها التشغيلية. ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد محصورًا في عدد الناقلات التي تستطيع مغادرة الموانئ، بل في قدرة الاقتصاد على الاستمرار عندما يتعرض أحد شرايينه للضغط.
وهنا تظهر القيمة الإضافية للتعاون الإماراتي–السعودي، فالموانئ الإماراتية على الخليج وبحر عُمان، والموانئ السعودية على الخليج والبحر الأحمر، وشبكات النقل والطاقة والقدرات اللوجستية لدى البلدين، تتيح إمكانات مختلفة يمكن أن تتكامل في ظروف الاضطراب. وعندما تتوافر القدرة التشغيلية والاتفاقات اللازمة، يستطيع هذا التكامل أن يضيف إلى الخيارات الوطنية القائمة لدى البلدين، ويوسّع مرونتهما في التعامل مع الاضطرابات، فإذا كان الهدف من استهداف منشأة أو ممر بحري هو شل حركة التجارة أو فرض تنازل سياسي، فإن وجود بدائل قابلة للعمل يضعف قدرة الاعتداء على تحقيق غايته، ويقلل فرص تحوّل الضرر الذي يسببه إلى مكسب استراتيجي.
ومن هذه الزاوية، تكتسب مذكرة التفاهم التي وقعتها الإمارات والسعودية في الثامن من أكتوبر بشأن الربط الكهربائي وتبادل الكهرباء والربط السككي أهمية تتجاوز منافعها الاقتصادية المباشرة، فهي تفتح مجالًا لتطوير شبكات أكثر ترابطًا وتوسيع خيارات النقل والإمداد، بما يمكن أن يدعم قدرة البلدين على التعامل مع الاضطرابات.
لكن المذكرة لا تعني أن قدرة تشغيلية جديدة أصبحت جاهزة بالفعل، فقيمة أي مسار بديل تتوقف على سعته، وسرعة تشغيله، وقدرته على العمل أثناء الأزمة، ومدى استقلاله عن نقاط الضعف التي أصابت المسار الأصلي، ومن دون هذه الشروط قد نكون أمام مشروعات مهمة للتنمية، لكنها لم تتحول بعد إلى أدوات فعالة للصمود.
غير أن زيادة الترابط بين الدول لا تعني دائمًا زيادة أمنها، فقد تصبح الشبكات المشتركة نفسها مصدرًا لانتقال التعطل إذا اعتمدت على عقدة واحدة أو تعرضت جميعها للتهديد نفسه. لذلك لا أرى أن المعيار الصحيح هو عدد خطوط الربط أو حجم الاستثمارات وحدهما، بل مقدار الخيارات التي تبقى متاحة عندما يتوقف أحد المرافق عن العمل، فالمرفق البديل لا يحمي الاقتصاد لمجرد وجوده على الخريطة، وإنما عندما يستطيع أداء وظيفة المرفق المعطل في الوقت الذي تكون فيه الحاجة إليه أشد إلحاحًا.
وتوفير البديل يحد من أثر التعطل، بينما تحد سرعة القرار من امتداده. ولهذا فإن تبادل المعلومات والإنذار المبكر وحماية المجالين البحري والجوي وإدارة الأزمات ليست ملفات منفصلة عن حماية الاقتصاد، بل جزء من القدرة على إبقائه عاملًا تحت الضغط، والمعدات المتقدمة لا تحقق أثرها إذا انقطعت الصلة بين الرصد والقرار والاستجابة، وهنا تظهر أهمية العلاقة المباشرة بين القيادتين الإماراتية والسعودية؛ فالتنسيق السياسي الرفيع يستطيع أن يختصر الوقت اللازم لتقريب التقديرات وتحديد الأولويات عندما تتطلب الأزمة قرارات تتجاوز اختصاص مؤسسة واحدة.
فالإمارات والسعودية دولتان مستقلتان، ولكل دولة مصالحها وتقديراتها وأولوياتها، وليس مطلوبًا أن تتطابق مواقفهما في كل ملف حتى تكون شراكتهما مؤثرة. ويمكن أن يتقدم التعاون في حماية أمن الطاقة والملاحة والمنشآت الحيوية واستقرار المنطقة، من دون افتراض تطابق المقاربات إزاء مختلف الأزمات، فالقدرة على إدارة الاختلاف مع المحافظة على التعاون في حماية المصالح الأساسية تمثل أحد اختبارات نضج العلاقات بين الدول.
ولا تُقاس قوة الشراكة بعدد الزيارات والاتفاقات، بل بما تتيحه عندما تصبح المصالح المشتركة هدفًا للاعتداء، والتحدي أمام الإمارات والسعودية هو بناء خيارات تسمح باستمرار الوظائف الاقتصادية والحيوية حتى عندما تتعرض بعض مرافقها للضرر، وتمنع المعتدي من تحويل ذلك الضرر إلى وسيلة لفرض تنازلات سياسية، فعندما تقع الضربة ولا تتعطل الوظيفة التي استهدفتها، يخسر المعتدي جزءًا من المكسب الذي راهن عليه.
وهنا يصبح أمن الجار جزءًا من الأمن الوطني، لا لأن الخطر مشترك وحده، بل لأن التعاون يمكن أن يعزز القدرات الوطنية على مواجهته أيضًا. وتتيح الزيارات والاتصالات بين القيادتين الإماراتية والسعودية مواصلة البحث في سبل تطوير هذا التعاون، وتحويل التضامن من موقف يُعلن عند وقوع الخطر إلى شراكة تقلل قدرة الخطر على تحقيق غايته.

