عبد الله سليمان الطليان
ليست المشكلة دائمًا في الكلام الذي قيل، وإنما في الطريقة التي يُفهم بها ويُعاد تقديمه للآخرين. فكثير من العبارات تُنتزع من سياقها، ثم تُستخدم لتأكيد موقف لم يكن صاحبها يقصده أصلًا. وفي المقابل، قد تتحول عبارة (أُخرجت من سياقها) إلى وسيلة للدفاع عن قول يصعب تبريره عندما نقرأه في سياقه الكامل.
ومن هنا تظهر مشكلة أكثر تعقيدًا: من هو الشخص المؤهل للحكم على سياق الخطاب وتفسيره؟
فليس كل من يستطيع قراءة الكلمات قادرًا بالضرورة على فهم الخطاب الذي أنتجها. هناك فرق بين معرفة معنى الجملة، وبين إدراك ما وراء الجملة من دلالات تاريخية وثقافية واجتماعية وسياسية. وقد تكون العبارة واضحة لغويًا، لكنها تصبح ملتبسة عندما تُفصل عن الزمن الذي قيلت فيه، أو عن الجمهور الذي وُجّهت إليه، أو عن المصطلحات التي كانت تحمل في ذلك الوقت معنى مختلفًا عن معناها اليوم.
«دعهم يأكلون البريوش»: كيف تصنع السردية حقيقة تاريخية؟
من أشهر الأمثلة التاريخية قصة العبارة المنسوبة إلى ماري أنطوانيت: «دعهم يأكلون الكعك». فقد أصبحت هذه الجملة في الوعي الشعبي رمزًا للجهل بمعاناة الفقراء وانفصال الطبقة الحاكمة عن المجتمع.
لكن عند العودة إلى المصادر، تظهر مشكلة جوهرية: لا يوجد دليل موثوق على أن ماري أنطوانيت قالت هذه العبارة أصلًا. فالعبارة ظهرت قبل ذلك في كتاب الاعترافات لجان جاك روسو، الذي نسبها إلى «أميرة عظيمة» دون أن يسميها، كما أن ماري أنطوانيت كانت في العاشرة من عمرها تقريبًا عندما كتب روسو هذه الرواية. وقد أصبح ربط العبارة بها لاحقًا جزءًا من السردية التاريخية المحيطة بها.
وهنا لا نتعامل فقط مع مشكلة (خروج القول عن السياق)، بل مع مشكلة أكبر: اختراع علاقة بين قول وشخص، ثم بناء سردية تاريخية كاملة على هذه العلاقة.
فالجملة تبدو مقنعة لأنها تختصر قصة كاملة في كلمات قليلة: ملكة لا تعرف الجوع، وشعب يعاني، ونظام سياسي منفصل عن الواقع. لكنها قد تكون مثالًا نموذجيًا على قوة السردية في تحويل رواية غير موثقة إلى (حقيقة) تتناقلها الأجيال.
أشخاص جيدون من الجانبين: المثال الإعلامي
وفي الخطاب السياسي الحديث، نجد مثالًا أكثر تعقيدًا في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد أحداث شارلوتسفيل عام 2017، عندما تحدث عن وجود (أشخاص جيدين جدًا) على الجانبين.
هذه العبارة أصبحت لاحقًا عنوانًا سياسيًا وإعلاميًا واسع الانتشار، واستُخدمت لإثبات أن ترامب ساوى بين النازيين الجدد ومن كانوا يحتجون ضدهم. لكن الرجوع إلى المؤتمر الصحفي الكامل يوضح أن ترامب تحدث في الموضع نفسه عن وجود (أشخاص سيئين جدًا) في المجموعة، ثم قال لاحقًا إنه لا يتحدث عن النازيين الجدد أو القوميين البيض، وإنه ينبغي إدانتهم تمامًا. وفي الوقت نفسه، فإن السياق الكامل لا يلغي كل ما قاله، ولا يمنع انتقاده بسبب حديثه عن المسؤولية على الجانبين؛ وإنما يجعل الحكم أكثر تعقيدًا من العبارة المقتطعة.
وهذا المثال مهم لأنه يوضح أن إعادة السياق لا تعني بالضرورة تبرئة المتحدث.
وهذه نقطة أساسية في القراءة الواعية: عندما نعيد القول إلى سياقه، لا ينبغي أن نكون قد حسمنا النتيجة مسبقًا. فالسياق قد يجعل العبارة أقل إدانة، وقد يجعلها أكثر إدانة، وقد يكشف ببساطة أن القضية أكثر تعقيدًا مما توحي به الجملة المقتطعة.
حتى العبارات الصحيحة يمكن أن تصبح مضللة
هناك نوع آخر من المشكلة: أن تكون العبارة صحيحة بالفعل، لكن استخدامها خارج السياق يجعلها تؤدي معنى لم يقصده صاحبها.
ومن أشهر الأمثلة قول ونستون تشرشل إن الديمقراطية هي «أسوأ أشكال الحكم»؛ فكثيرًا ما تُقتطع الجملة عند هذا الحد، فيبدو وكأن تشرشل يهاجم الديمقراطية. لكن الجملة الكاملة تضيف مباشرة الاستثناء الحاسم: أنها الأسوأ باستثناء جميع الأشكال الأخرى التي جُرّبت. وهذا يغير المعنى جذريًا؛ فالرجل لم يكن يرفض الديمقراطية، بل كان يقرر أنها ليست نظامًا مثاليًا، مع أنها أفضل من البدائل التي عُرفت تاريخيًا.
وهنا نرى أن حذف كلمات قليلة يمكن أن يقلب المعنى من الدفاع عن الديمقراطية إلى مهاجمتها.
إذن، من يملك القدرة على تفسير الخطاب؟
ليس بالضرورة أكثر الناس ثقافة هو الأقدر على تفسير كل خطاب، كما أن صاحب الشهادة الأكاديمية لا يصبح تلقائيًا صاحب الحق في تأويل كل نص.
المفسر الواعي هو الذي يمتلك أدوات القراءة قبل أن يمتلك الرأي.
فهو يعرف أن فهم الخطاب يحتاج إلى معرفة اللغة، والسياق التاريخي، والخلفية الثقافية، والظروف الاجتماعية والسياسية، والمصطلحات المستخدمة، وعلاقة المتحدث بجمهوره.
المؤرخ يحتاج إلى معرفة الزمن الذي أنتج فيه الخطاب. واللغوي يحتاج إلى معرفة الدلالة التي كانت تحملها الكلمات. وعالم الاجتماع يحتاج إلى فهم المجتمع الذي ظهر فيه الكلام. والباحث السياسي يحتاج إلى معرفة موازين القوى والمصالح المحيطة بالخطاب. أما القارئ العام، فيحتاج على الأقل إلى إدراك أن ما يصل إليه عبر وسائل الإعلام أو وسائل التواصل قد لا يكون الخطاب كاملًا.
وهذا لا يعني أن الحقيقة محصورة في طبقة من المثقفين أو الأكاديميين، وإنما يعني أن قوة الحكم يجب أن تتناسب مع مقدار المعرفة التي يستند إليها.
المشكلة ليست في السياق وحده، بل في السردية قد يكون لدينا قول صحيح، وسياق صحيح، لكن النتيجة التي نبنيها عليه غير صحيحة.
وهنا ندخل إلى مفهوم السردية.
السردية هي الطريقة التي نرتب بها مجموعة من الوقائع بحيث تنتج قصة ذات معنى واتجاه. ولذلك يمكن لشخصين أن يتفقا على الوقائع نفسها، ثم يختلفا اختلافًا كبيرًا في تفسيرها؛ لأن كل واحد منهما يضع الوقائع داخل سردية مختلفة.
وهنا تقع المشكلة الكبرى في الخطاب الإعلامي والسياسي: لا يتم دائمًا اختلاق الوقائع، وإنما يتم اختيار بعضها، وترتيبها، وإهمال بعضها الآخر.وبذلك قد تصبح السردية أكثر تأثيرًا من الحقيقة نفسها؛ لأنها تقدم للمتلقي قصة سهلة الفهم: بطل وخصم، سبب ونتيجة، ضحية وجانٍ. بينما الواقع غالبًا أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية.
الثقافة الواعية لا تبحث عن تأكيد موقفها
لهذا فإن الثقافة الحقيقية لا تعني أن يملك الإنسان عددًا كبيرًا من الاقتباسات، وإنما أن يعرف كيف يتعامل مع الاقتباس.
القارئ الواعي عندما يقرأ عبارة مثيرة لا يسارع إلى مشاركتها، بل يسأل:
من قالها؟
متى قالها؟
أين قالها؟
لمن قالها؟
ما الذي سبقها؟
ما الذي لحقها؟
هل المصدر أصلي؟
هل توجد رواية أخرى للواقعة؟
وهل النتيجة التي أستخلصها من القول تتناسب فعلًا مع الأدلة؟
وهذه الأسئلة البسيطة يمكن أن تمنع كثيرًا من الأخطاء التي تنتشر في المجال العام.
الخروج من المعضلة
الخروج من معضلة (القول خرج عن السياق) لا يكون إذن بترديد هذه العبارة، وإنما بإعادة بناء السياق كاملًا.
والخروج من السردية غير المقنعة لا يكون بصناعة سردية مضادة، وإنما بالعودة إلى الوقائع نفسها.
فالخطاب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجموعة من الجمل المنفصلة، ولا ينبغي أن تتحول الثقافة إلى أداة لإثبات ما نؤمن به مسبقًا. الثقافة الواعية تفعل العكس تمامًا: تجعل الإنسان أكثر ترددًا في إصدار الحكم، وأكثر استعدادًا لسماع الرواية الأخرى، وأكثر قدرة على التمييز بين ما نعرفه، وما نستنتجه، وما نعتقده.
وهنا تكمن قيمة الثقافة الحقيقية.
فالمثقف الواعي ليس من يمتلك جوابًا لكل سؤال، وإنما من يعرف متى يكون السؤال أكبر من الجواب السريع.
وفي عصر أصبحت فيه الجملة تنتقل من شاشة إلى أخرى خلال ثوانٍ، وربما تعيش خارج سياقها لعشرات السنين، أصبحت القدرة على قراءة السياق ليست ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا أساسيًا لفهم الخطاب.
لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس: هل خرج القول عن سياقه؟ بل: ما السياق الكامل؟ ومن الذي أعاد تفسيره؟ وما الأدلة التي تسمح لنا بقبول هذه السردية دون غيرها؟ عند هذه النقطة فقط ننتقل من ثقافة الاقتباس إلى ثقافة الفهم.

