لا يعتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن روسيا والصين تقدمان الدعم لإيران. يضرب عرض الحائط بتقارير صادرة عن أجهزة أميركية وأخرى إسرائيلية، كانت أفادت بقيام بكين بإرسال شحنات من الوقود الصلب المشغّلة للصواريخ الباليستية الإيرانية، وقيام روسيا بتزويد إيران موارد عسكرية، منها مسيّرات مطوّرة عن النسخ الإيرانية. وشكّل ذلك الدعم، ضمن مروحة دعم أوسع، حافزاً لقيام مقاتلات مجهولة، يرجّح أنها إسرائيلية، بقصف الشحنات الصينية عند تفريغها في ميناء بندر عباس في نيسان/أبريل 2025، وبقصف مرافئ إيرانية في بحر قزوين تُستخدم لتفريغ الإمدادات الروسية في آذار/مارس 2026.وحين يجد ترامب نفسه أمام ما يعتقد أنه إفراط لا تدعم حقيقته مخابرات الدولة التي يترأسها، يرمّم التجاوز بتصحيح عرضي، مفاده أن هذا الدعم، إن وُجد، خفيف طفيف، ولا يغيّر شيئاً من حال إيران التي تتآكل بفضل إنجازات بلاده وانتصارات قراره. والأرجح أن الرجل، المفترض أنه يعلم بالخفايا التي تتكدّس على مكتبه كل صباح، بصدد تدبير صفقةٍ ما مع روسيا والصين، تحتاج أمام الرأي العام الدولي، لكن خصوصاً أمام الرأي العام المحلي في موسم انتخابات نصفية تجري بعد أسابيع، إلى تبرئةٍ لا يصدّقها أحد، للبلدين الخصمين من إثم انتشال إيران من مصير يتوعّد ترامب بأنه محو نهائي عن الخارطة.لا نعرف الملامح الدقيقة للصفقات التي تحثّ ترامب على وضع مساحيق تجميل ثقيلة على موقفي روسيا والصين من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. ويعود ثقل المساحيق إلى ضراوة الصور التي نقلتها شبكة CNN وغيرها في تموز/يوليو الماضي عن القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة التي تكاد، حسب تلك الصور، أن تكون قد دُمّرت بالكامل بسبب صواريخ ومسيّرات لم تكن لتمتلك الدقة العالية في اكتشاف الأهداف وإصابتها لولا صور فضائية استخباراتية، ترجّح المصادر الأميركية أنها واردة من مصادر صينية وروسية.وقد لا نخطئ في استنتاج أن الصفقة التي أبرمها ترامب مع "صديقه" الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإغراق الأسواق، بما فيها السوق الأميركية أولاً، بالديزل الروسي، تحتاج إلى موقف منه يشيد بالخصال الروسية و"عفّتها" في حرب إيران. تحتاج أيضاً إلى انقلاب بهلواني، وصفه سياسي فرنسي بـ"الحقير"، على القضية الأوكرانية، يصل إلى حد الإعلان أنه "آن الأوان لأوكرانيا أن تجد رئيساً آخر". وقد لا يكون مستبعداً أن ترامب وجد لدى الزعيم الصيني شي جينبينغ، أثناء لقائه في بكين في أيار/مايو، ثم في واشنطن في أيلول/سبتمبر من هذا العام، لغة يمكن التعويل عليها للضغط على إيران لاعتماد مسلك ينهي الحرب على نحو يسجّل فيه ترامب انتصاره الموعود.في زحمة الانتخابات النصفية وتوق ترامب إلى الفوز بها، وبشكل ساحق، ليتوّج في نهاياتها "ملكاً" مطلقاً، كما حال أصدقائه في الصين وروسيا وكوريا الشمالية ودول أخرى، يقدّم ترامب لبوتين أوكرانيا ورئيسها، متبنّياً "الحل الروسي" للحرب. بالمقابل، يساهم بوتين الروسي، وربما شي الصيني أيضاً، في التوسّط والتبرّع بحل لحرب إيران. يتطوّع البلدان لفك بعض عقدها، بما في ذلك تكرّم موسكو باستضافة كميات اليورانيوم المخصّب بدرجات عالية. وإذا لم يصدر عن ترامب في قممه مع نظيره الصيني تنازل علني في تايوان، غير أنه بات لبكين نفوذ في تقييد نوعية السلاح الأميركي المخطّط إرساله إلى تايوان وإيقاع شحناته، وسط إقرار أميركي دائم بـ"الصين الواحدة".والأرجح أن تبرئة الصين جاءت في معرض الحاجة إلى تبرئة صفحة روسيا وتسويق "صفقة الديزل" القذرة، وفق وصف أوكراني. يحتاج ترامب إلى خفض سعر غالون الوقود، بما يعيد إليه بعضاً من ناخبيه، ولا بأس في الإفتاء بأنها صفقة "حلال" مع "فاعل خير" لا يعمل إطلاقاً على إجهاد أميركا في حملتها الإيرانية، على منوال ما فعلته أميركا لاستنزاف الاتحاد السوفياتي في حملته الأفغانية التي قادته إلى العدم.
الصفقة "القذرة" في حسابات حربين
مواضيع ذات صلة

