: آخر تحديث

الشرق الأوسط أمام تحول تاريخي: أسواق جديدة وتطبيع للعلاقات

3
5
3

كل عدة عقود، يمر أحد أقاليم العالم بتحولات عميقة تعيد تشكيل توازناته السياسية والاقتصادية والأمنية لعقود لاحقة. ولم تكن هذه التحولات مجرد تغيرات في الحكومات أو الحدود، بل كانت انتقالاً من نظام إقليمي إلى آخر، تتغير خلاله مصادر القوة وطبيعة الصراعات واتجاهات التنمية. أوروبا بعد عام 1945 تقدم أحد أبرز الأمثلة على ذلك؛ فقد انتقلت من قارة أنهكتها الحروب إلى فضاء سياسي واقتصادي جديد أسس لاحقاً لأطول فترة من الاستقرار النسبي في تاريخها الحديث.

وفي الشرق الأوسط، يمكن النظر إلى سبعينيات القرن الماضي باعتبارها بداية مرحلة مختلفة. فقد تزامنت الطفرة النفطية مع تراكم الثروة الخليجية، وبدأت دول الخليج تتحول تدريجياً من اقتصادات تعتمد بصورة أساسية على الموارد التقليدية إلى مراكز مالية وتجارية واقتصادية ذات حضور عالمي. وفي الوقت نفسه، كانت المنطقة تدخل مرحلة مضادة تماماً على المستوى الأمني والسياسي.

ففي عام 1979 اندلعت الثورة الإسلامية في إيران، وبدأ النظام الجديد في طهران بتبني مشروع يقوم على تصدير الثورة وتوسيع النفوذ الإيراني خارج الحدود. وبعد ذلك بعام اندلعت الحرب العراقية–الإيرانية، التي استمرت ثماني سنوات، بينما شكّل الغزو السوفييتي لأفغانستان بداية مرحلة جديدة من عسكرة المنطقة وصعود الحركات الجهادية. ثم تعزز النفوذ الإيراني من خلال دعم حزب الله في لبنان، والتحالف مع نظام حافظ الأسد ثم بشار الأسد في سوريا، وتطوير شبكة من القوى المسلحة والحلفاء السياسيين في المنطقة.

غير أن التحول الأكبر جاء بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين. فقد أدى انهيار الدولة العراقية إلى فتح المجال أمام إيران لتوسيع نفوذها بصورة غير مسبوقة، مستفيدة من علاقاتها بالقوى السياسية والفصائل المسلحة العراقية، ثم من التطورات التي أعقبت الربيع العربي والحرب السورية. وبمرور الوقت، أصبح النفوذ الإيراني يمتد إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، عبر مزيج من التحالفات السياسية والقوى المسلحة وشبكات النفوذ الإقليمي.

استمرت هذه المرحلة حتى وصلت إلى ذروتها قبل أن تبدأ بالتراجع بعد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، لتدخل مرحلة الانحدار بعد هجمات 7 أكتوبر 2023 والحرب الإقليمية التي أعقبتها. فقد تعرضت البنية التي اعتمدت عليها إيران في ممارسة نفوذها الخارجي لضغوط كبيرة، خصوصاً مع إضعاف حزب الله، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وتراجع قدرة حلفاء إيران على العمل باعتبارهم أدوات ردع إقليمية، بما أضعف بصورة كبيرة استراتيجية "الدفاع إلى الأمام" التي اعتمدت عليها طهران لعقود.

ولا يعني ذلك أن النفوذ الإيراني انتهى، أو أن إيران فقدت قدرتها على التأثير في محيطها. فما تزال طهران تمتلك أدوات عسكرية وسياسية واقتصادية مهمة، كما أن بعض القوى المرتبطة بها ما تزال فاعلة، خصوصاً في العراق واليمن، لكن الاتجاه العام يشير إلى أن النموذج الذي سمح لإيران ببناء نفوذ إقليمي واسع لم يعد يعمل بالسهولة نفسها التي كان يعمل بها خلال العقدين السابقين، وأن نظام ولاية الفقيه في إيران نفسها ربما يكون في فترته الأخيرة.

وهنا تبرز أهمية المرحلة المقبلة. فإذا كان الشرق الأوسط قد أمضى عقوداً في إدارة الصراعات، فقد يدخل الآن مرحلة يصبح فيها التحدي الأساسي هو إعادة بناء الدول وإعادة تعريف العلاقات بين دول المنطقة. ولن يكون ذلك مرتبطاً بإيران وحدها، بل بدفع العراق وسوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية واليمن على الانتقال من بيئة تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة إلى بيئة تستعيد فيها الدولة احتكارها للقرار الأمني والسياسي.

قد تكون هذه هي اللحظة التي يبدأ فيها الشرق الأوسط بالتحول من منطق "محاور المقاومة" و"الحروب بالوكالة" إلى منطق المصالح الوطنية والتكامل الإقليمي، ويتطلب ذلك إنهاء أو الحد من قدرة القوى المقاومة للاستقرار في المنطقة، مثل الحركات الجهادية والإسلام السياسي، على فرض أجنداتها أو إعاقة مسار الاستقرار، بل وتعويم هذه القوى وإعادة إنتاجها، بحيث تسهم في خلق بيئة حاضنة للتطبيع بين الجمهور المعارض لهذه التوجهات، وخاصة الجمهور المحافظ.

وفي حال تحقق ذلك، فإن التحول لن يكون أمنياً فقط. فإيران والعراق وسوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية واليمن يمكن أن تنتقل تدريجياً من كونها مناطق مستنزفة للصراعات إلى أسواق وممرات اقتصادية ومراكز لإعادة الإعمار، فهذه الدول تمتد على منطقة جغرافية واسعة تعرض جزء كبير منها للدمار بفعل الحروب والصراعات، لكنها في الوقت نفسه تمتلك مقومات اقتصادية هائلة لم تُستثمر بصورة تتناسب مع إمكاناتها. فهي تضم حوالي 220 مليون نسمة من السكان، وقوة عمل كبيرة، ومساحات جغرافية واسعة، وموارد طبيعية متنوعة، كما تتحكم في ممرات برية وبحرية من الأكثر أهمية في العالم.

وهذه المنطقة، تحديدًا بسبب حجم الدمار الذي أصابها، يمكن أن تتحول إلى واحدة من أكبر ورش إعادة الإعمار والاستثمار في العالم، وإلى السوق الاقتصادية الجديدة في الشرق الأوسط. فإعادة بناء المدن والبنية التحتية، وإصلاح شبكات الطاقة والمياه والنقل، وتطوير الموانئ والمناطق الصناعية، وإعادة تشغيل القطاعات الزراعية والإنتاجية، كلها ستخلق طلبًا اقتصاديًا هائلًا، فيما توفر الكتلة السكانية الضخمة قوة عمل وسوقًا استهلاكية واسعة.

لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب أولًا إنهاء الصراعات، وإخراج المنطقة من حالة الحروب المفتوحة وتعدد القوى المسلحة، ليتم الانتقال بعدها إلى تطبيق النموذج الاقتصادي التنموي، وهو سيناريو تم تطبيقه في إيرلندا بعد اتفاق الجمعة العظيمة في عام 1998.

وهنا يمكن أن تقوم الولايات المتحدة بالدور المركزي في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية عبر فرض إطار سياسي وأمني واقتصادي جديد تكون واشنطن الضامن الرئيسي له، تماماً مثلما كانت الضامن لعملية الانتقال التي عرفتها إيرلندا.

ويقوم هذا النموذج على إنشاء منطقة سوق مستقرة في هذه الدول، تكون الولايات المتحدة القوة الخارجية المهيمنة على أمنها ونظامها الاقتصادي، في تصور يخص هذه الدول، بينما تتولى حكومات المنطقة إدارة شؤونها الداخلية، وتحتفظ جيوشها وأجهزتها الأمنية بالقدرات الضرورية لحماية الحدود وحفظ النظام، من دون أن تتحول إلى قوى إقليمية قادرة على خوض حروب واسعة أو تهديد جيرانها.

في هذا التصور، لا تحتاج الدول المستنزفة بالصراعات إلى مزيد من الجيوش بقدر حاجتها إلى الاستقرارـ فالقوة العسكرية التي تُستخدم خارج مقتضيات الدفاع المشروع تتحول في بيئة الشرق الأوسط إلى أداة لإعادة إنتاج الصراع، بينما يمكن تحويل الموارد التي تُستهلك في التسلح والحروب إلى البنية التحتية والطاقة والصناعة والتعليم والخدمات.

وإذا تحقق ذلك، فإن المنطقة يمكن أن تنتقل من كونها أحد أكثر أقاليم العالم استنزافًا للموارد إلى أحد أكبر مراكز النمو فيه، فالموانئ الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، والممرات البرية التي تربط آسيا بالمتوسط، والموارد النفطية والغازية، والأسواق السكانية الكبيرة، والقوة العاملة، كلها عناصر يمكن دمجها في منظومة اقتصادية واحدة.

وسيعزز الخليج في هذا النموذج الجديد موقعه مركزاً اقتصادياً يقود عملية إعادة دمج المشرق في الاقتصاد العالمي. وستكون الاستثمارات الخليجية، والطاقة، والموانئ، والطرق البرية، وسلاسل الإمداد، وإعادة الإعمار، أدوات رئيسية في تشكيل النظام الإقليمي الجديد.

وقد يكون التطبيع أحد أبرز مظاهر هذه المرحلة، وفق قرارات كل دولة وشروطها، وفي ضوء مسار تسوية القضية الفلسطينية. فاستقرار الدول العربية المضطربة سيخلق الظروف اللازمة لتوسيع العلاقات التجارية والدبلوماسية، ليس بين الدول العربية وإسرائيل فقط، وإنما بين مختلف دول المنطقة. وقد بدأت بالفعل محاولات لبناء أطر جديدة للأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي.

وقد لا تكون النتيجة شرق أوسط جديداً خالياً من الصراعات، لكن التحول الأهم يمكن أن يكون انتقال المنطقة من صراعات تهدف إلى تغيير موازين القوى بالقوة إلى منافسة تقوم بصورة أكبر على الاقتصاد والاستثمار والنفوذ السياسي، وهو نموذج رأيناه في عدد من دول ومناطق العالم، فرواندا التي شهدت حرب إبادة ضروس في الفترة من 1990-1994 تحوّلت اليوم إلى نموذج اقتصادي مزدهر في قلب القارة الأفريقية، وذات الأمر تكرر في كمبوديا، وغيرها.

وهذه هي المفارقة التاريخية المحتملة: المنطقة التي شهدت منذ أواخر السبعينيات صعود الثورة الإيرانية والحروب بالوكالة وتفكك عدد من الدول، قد تكون مقبلة على مرحلة يصبح فيها الاستقرار نفسه هو المشروع الإقليمي الأكبر. وإذا نجحت دول المنطقة في استثمار هذه اللحظة، فقد لا تكون العقود المقبلة امتداداً للعقود السابقة، بل بداية حقبة جديدة يكون فيها الأمن شرطاً للتنمية، والتنمية أساساً للاستقرار، والتكامل الاقتصادي وسيلة لتقليل دوافع الصراع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.