عام آخر يمر، ولا يزال السؤال يتكرر: لماذا لا يحصل العالم العربي على جائزة نوبل؟ ولماذا تمر العقود دون أن يُضاف اسم عربي جديد إلى قائمة الفائزين، بينما تتسابق دول أخرى على حصد الجوائز سنة بعد سنة؟ لكن الحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن العرب ليسوا وحدهم خارج هذا السباق، فالشعوب الآسيوية والأفريقية تشاركهم في ذلك إلى حد كبير، وتواجه بدورها عقبات بنيوية في البحث العلمي والتمويل والحرية الأكاديمية والاعتراف العالمي. ومع ذلك، لا يعني هذا أن السؤال العربي يفقد مشروعيته أو خصوصيته، بل يظل مشروعًا وملحًا، لأن المفارقة العربية أشد وقعًا: منطقة واسعة، ذات تاريخ حضاري عريق، وموارد بشرية هائلة، ومع ذلك يظل حضورها في جوائز نوبل العلمية والأدبية محدودًا جدًا، بل إن العقول العربية، حين تصل إلى القمة، كثيرًا ما تصل إليها من خارج بيئتها الأصلية. وهكذا، فإن توسيع الصورة ليشمل الآسيويين والأفارقة لا يُضعف هدف المقال، بل يمنحه سياقًا أعدل وأدق: المشكلة ليست في نقص العقول العربية، بل في البيئة التي تمنعها من النمو والاعتراف. Pasted text
الحقيقة أن الإحساس بالإحباط مشروع. فحين ننظر إلى القائمة، نجد أن الحضور العربي فيها محدود جدًا، خاصة في الجوائز العلمية والأدبية. نجيب محفوظ حصل على نوبل في الأدب عام 1988. أما في العلوم، فأحمد زويل حصل على نوبل في الكيمياء عام 1999، لكن إنجازه تحقق بالكامل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) بالولايات المتحدة، حيث كان يعمل أستاذًا للكيمياء الفيزيائية. وقد اعترف زويل بنفسه بأن الفضل في اكتشافاته العلمية يعود إلى المختبرات الأميركية، ولولا الميزانيات المخصصة لما استطاع البحث والمواصلة والحصول على الجائزة.
نعم، هناك أسماء عربية أخرى نالت نوبل: نادية مراد، الناشطة الأيزيدية العراقية من قضاء سنجار، التي فازت بنوبل للسلام عام 2018 مناصفة مع الطبيب الكونغولي دينيس ميكويغي لجهودهما في وقف استخدام العنف الجنسي كسلاح في الحروب. وهي أول عراقية تحصل على جائزة نوبل. وتوكل كرمان، الصحفية والناشطة اليمنية من مدينة تعز، التي فازت بنوبل للسلام عام 2011 مناصفة مع الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف والناشطة ليما غبوي، لتكون أول امرأة عربية تحصل على الجائزة. لكنهما في مجال السلام، وليستا في العلوم أو الأدب أو الاقتصاد.
وحتى في العلوم، نجد منجي الباوندي، العالم التونسي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، الذي فاز بنوبل الكيمياء عام 2023 لأبحاثه في النانوكيمياء. وعمر ياغي، العالم الأردني من أصل فلسطيني، الذي يشغل كرسي الكيمياء في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وفاز بنوبل الكيمياء عام 2025 لتطويره الأطر المعدنية العضوية. وفي الأدب، هناك عبد الرزاق قرنح، الروائي التنزاني من أصول يمنية، الذي فاز بنوبل الآداب عام 2021، وهو أول فائز أسود البشرة منذ توني موريسون، لكنه مقيم في بريطانيا ويكتب بالإنجليزية.
وهذا يعني أن التمثيل العربي في الجوائز الأكاديمية والعلمية يبقى ضعيفًا جدًا مقارنة بحجم المنطقة وعدد سكانها وتاريخها الحضاري. والمفارقة الأعمق أن العقل العربي، حين يصل إلى القمة، يصل إليها غالبًا من خارج بيئته الأصلية.
المفارقة الكبرى: العقول العربية تزدهر خارج وطنها
هناك نمط متكرر في قائمة الفائزين العرب بنوبل: أحمد زويل (مصر – كاليفورنيا)، منجي الباوندي (تونس – MIT)، عمر ياغي (الأردن/فلسطين – بيركلي)، عبد الرزاق قرنح (اليمن – بريطانيا). وحتى نادية مراد وتوكل كرمان، بالرغم من أنهما حصلتا على نوبل السلام وهما تعملان داخل المنطقة، فإن جائزتيهما سياسية/حقوقية وليستا علمية أو أكاديمية بالمعنى الدقيق.
هذا النمط لا يعني أن العقول العربية أقل قدرة. على العكس تمامًا. إنه يعني أن البيئة العربية - بمختبراتها وتمويلها وحريتها الأكاديمية - لا تزال غير قادرة على احتضان هذه العقول وإنتاجها. وحين يهاجر الباحث العربي إلى بيئة داعمة، يجد ما يفتقده في وطنه: مختبرًا مجهزًا، وتمويلًا مستقرًا، وحرية أكاديمية، وفرقًا بحثية متكاملة. عندها فقط يصبح الوصول إلى نوبل ممكنًا، لكن باسم مؤسسة غربية، لا باسم جامعة عربية.
التشخيص بالأرقام: أزمة بنيوية لا أزمة أفراد
لكن السؤال الأهم ليس "لماذا لا يحصل العرب على نوبل؟"، بل "ما الذي يمنع البيئة العربية من إنتاج الفائزين بنوبل؟" هنا تصبح الأرقام أكثر دلالة من أي خطاب.
مساهمة العالم العربي في الإنتاج العلمي العالمي لا تتجاوز 2 بالمئة، وفقًا لبيانات كتاب "أزمة البحث العلمي العربي" لمحمد الربيعي. هناك دول عربية مجتمعة سجلت 3.7 بالمئة من إجمالي النشر العلمي العالمي، لكن لا توجد دولة عربية واحدة تجاوزت حاجز 1 بالمئة من الإنتاج العالمي بمفردها. للمقارنة، تنتج إسرائيل وحدها - بتعداد سكاني لا يتجاوز عُشر سكان المنطقة العربية - إنتاجًا علميًا يعادل ما تنتجه دول عربية بأكملها من حيث الحجم، مع فارق أكبر في النوعية وعدد الاستشهادات.
أما الإنفاق على البحث والتطوير، وهو المؤشر الأكثر تعبيرًا عن جدية الدولة في الاستثمار المعرفي، فيتراوح في معظم الدول العربية بين 0.2 بالمئة و0.7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين توصي اليونسكو بنسبة تتراوح بين 2 بالمئة و4 بالمئة. وحتى هذه النسبة المتواضعة تتوزع بشكل غير متكافئ، فبينما تصل النسبة في الإمارات إلى 1.5 بالمئة، تنخفض في دول أخرى إلى 0.1 بالمئة. للمقارنة، أنفقت الصين 2.8 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير في عام 2025، متجاوزة لأول مرة متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
والأمر لا يتوقف عند التمويل. فعدد الباحثين في العالم العربي لا يتجاوز 650 باحثًا لكل مليون نسمة، مقارنة بمتوسط عالمي يتراوح بين 1٬350 و1٬600 باحث لكل مليون نسمة. وحتى هذا الرقم المنخفض يخفي تفاوتًا كبيرًا بين الدول العربية، حيث تتركز الكثافة البحثية في عدد محدود من البلدان.
أما حصيلة براءات الاختراع المسجلة دوليًا، وهي المؤشر الأكثر مباشرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، فلا تتجاوز 0.5 بالمئة من الإجمالي العالمي. وحتى في قطاع تكنولوجيا الاتصالات، وهو قطاع حيوي للاقتصاد المعرفي، تسجل قطر 17.1 براءة اختراع لكل مليون نسمة، بينما تنخفض النسبة في الإمارات إلى 2.4 والسعودية إلى 1.5، في مقابل 117.5 براءة اختراع لكل مليون نسمة في إسرائيل.
وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة. إنها "رسائل إنذار"، كما يصفها المؤلف، تؤكد أن البحث العلمي العربي يسير في اتجاه معاكس لمسار العالم. إنها أزمة هوية مؤسسية، وحوكمة، وتمويل، وربط بالاقتصاد الحقيقي، ونزاهة بيانات، وتعاون إقليمي. والنتيجة أن العقول العربية، حين تصل إلى مستوى الإنجاز العالمي، تفعل ذلك غالبًا من داخل مؤسسات غربية، لا من داخل بيئتها الأصلية.
لماذا نوبل ليست مجرد جائزة؟
جائزة نوبل، في جوهرها، ليست جائزة للحظة عبقرية عابرة. إنها تتويج لتراكم طويل من العمل المؤسسي والدعم المستمر والحرية الأكاديمية. الفائزون بنوبل في العلوم لا يظهرون من فراغ، يظهرون من مختبرات مجهزة على مدى عقود، ومن فرق بحثية مستقرة، ومن تمويل متواصل لا يتوقف عند كل أزمة مالية أو تغيير حكومي.
وهنا تكمن المشكلة الجوهرية في العالم العربي. فحتى في الجامعات العربية التي تحقق أداء بحثيًا ملحوظًا، مثل جامعة الملك سعود، وجامعة القاهرة، وجامعة بغداد، فإن الإنتاج البحثي يتركز في مجالات محدودة، ويظل الأثر العلمي طويل المدى محدودًا. وتشير تقارير آرسيف (قاعدة بيانات المجلات العلمية العربية) إلى أن عدد المؤلفين العرب الذين جرى الاستشهاد بإنتاجهم لا يتجاوز 32.57 بالمئة من إجمالي المؤلفين، وهو مؤشر على أن جزءًا كبيرًا من النشر العلمي العربي لا يجد طريقه إلى التداول والتراكم المعرفي.
والنشر باللغة العربية، بالرغم من أهميته الحضارية، لا يحقق الانتشار الدولي المطلوب. فالعالم العربي يترجم أقل من 500 كتاب سنويًا، معظمها في الأدب والعلوم الإنسانية، بينما تترجم إسبانيا نحو 10٬000 كتاب، واليابان أكثر من 20٬000، والصين أكثر من 15٬000. وحتى الكتاب المترجم لا يتجاوز 5 بالمئة من حجم المنشور على المستوى العربي، وقد يقترب من الصفر بالنسبة إلى الكتب العلمية المتعلقة بعلوم العصر الأساسية.
والنتيجة أن البحث العلمي العربي يعيش عزلة مزدوجة: عزلة عن المجتمع الذي لا يرى في البحث قيمة مباشرة، وعزلة عن العالم الذي لا يمنحه الاعتراف الكامل لأنه لا يُنتج معرفة أصيلة. وحين يهاجر الباحث العربي إلى بيئة داعمة، يجد ما يفتقده في وطنه: مختبرًا مجهزًا، وتمويلًا مستقرًا، وحرية أكاديمية، وفرقًا بحثية متكاملة. عندها فقط يصبح الوصول إلى نوبل ممكنًا، لكن باسم مؤسسة غربية، لا باسم جامعة عربية.
دروس من دول نجحت
ليس من الضروري أن يظل هذا الوضع قدرًا. فهناك دول نجحت، خلال عقود قليلة، في بناء منظومات بحثية متينة بالرغم من محدودية مواردها، وأصبحت اليوم منافسة على المستوى العالمي.
ماليزيا، على سبيل المثال، أطلقت خطة "Vision 2020" التي تضمنت إنشاء أكثر من 100 مركز بحثي متخصص، ورفعت الإنفاق على البحث إلى 1.2 بالمئة من الناتج المحلي. واستهدفت رفع نسبة الإنفاق البحثي إلى 2 بالمئة من الناتج المحلي بحلول عام 2020، وهو هدف طموح مقارنة بمعظم الدول العربية. وسنغافورة، بالرغم من صغر حجمها، خصصت أكثر من 25 مليار دولار لدعم البحث والابتكار في إطار خطة RIE2025، ثم أطلقت خطة RIE2030 التي تستند إلى نفس النهج.
أما تركيا، فقد انتقلت خلال عقدين من دولة ذات حضور علمي هامشي إلى دولة تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في عدد الجامعات المصنفة ضمن تصنيفات التايمز للتعليم العالي، كما أنها تعد الدولة الوحيدة في منظمة التعاون الإسلامي التي تمتلك جامعات مصنفة ضمن أفضل 500 جامعة عالميًا. ولديها أكثر من 1٬700 مركز بحث وتطوير، وأكثر من 13٬000 شركة تعمل في 115 حديقة تكنولوجية.
هذه التجارب تشترك في عناصر أساسية: سياسة علمية وطنية طويلة الأمد، وتمويل مستقر ومتزايد، وربط البحث بالاقتصاد، وحرية أكاديمية، وبنية تحتية متكاملة. وهي جميعًا عناصر لا تزال غائبة أو ضعيفة في معظم الدول العربية.
نوبل كنتاج لبيئة مؤسسية
السؤال إذن ليس "كيف نصنع فائزًا بنوبل؟"، بل "كيف نبني البيئة التي تنتج الفائزين بنوبل؟" والجواب، كما يخلص كتاب "أزمة البحث العلمي العربي"، لا يكمن في مبادرات فردية أو قرارات وزارية ظرفية، بل في استراتيجية عربية موحدة للبحث العلمي، مقسمة إلى مراحل تنفيذية واضحة: التأسيس والتشبيك، ثم بناء المؤسسات والتمويل، ثم بناء القدرات والتعاون، وأخيرًا التقييم والتطوير.
ويتطلب ذلك، أولًا، الإقرار بأن البحث العلمي ليس ترفًا فكريًا، بل هو شرط للسيادة وأداة للتنمية. ويتطلب، ثانيًا، استعادة شجاعة السؤال والاعتراف بأن الأزمة ليست في غياب العقول العربية — فهي موجودة في كل مكان، داخل المنطقة وخارجها، بل في غياب البيئة التي تسمح لهذه العقول بأن تنمو وتُثمر وتُعترف بها عالميًا.
الخبر السار أن بعض الدول العربية بدأت تتحرك في هذا الاتجاه. فقد أطلقت الإمارات برامج حوافز ضريبية للبحث والتطوير، ورفعت مخصصاتها البحثية بنسبة 500 بالمئة في ميزانية 2026. وأطلقت السعودية رؤية 2030 التي تهدف إلى رفع مكانة المملكة في مؤشرات التنافسية العالمية من خلال البحث والابتكار. لكن هذه الجهود، بالرغم من أهميتها، تبقى محدودة وغير كافية لسد الفجوة المعرفية على المستوى العربي ككل.
الطريق إلى نوبل العربية
عام آخر يمر، والحسرة تتجدد. لكن الأمل يبقى في أن يأتي اليوم الذي لا ننتظر فيه نوبل عربية، بل نراها نتيجة طبيعية لنهضة حقيقية في التعليم والبحث والحرية.
هذه النهضة لن تأتي من انتظار معجزة، بل من بناء صبور لمؤسسات بحثية مستقلة، وتمويل مستقر ومتزايد، وربط عضوي بين الجامعة والمجتمع والاقتصاد، وحرية أكاديمية تسمح بالخطأ والمحاولة والتجربة، وتعاون عربي حقيقي بدل التشرذم والتنافس غير المنتج.
نوبل ليست هدفًا في حد ذاتها. إنها مؤشر على أن البيئة البحثية العربية أصبحت ناضجة بما يكفي لتحتضن العقول، وتدعمها، وتتيح لها أن تنتج معرفة تُغير العالم. وحين يتحقق ذلك، لن نحتاج إلى السؤال: "لماذا لا نحصل على نوبل؟" لأن الإجابة ستكون واضحة: لأننا بنينا ما يكفي من البيئة التي تصنع الفائزين.


