ليس قدر اليمن أن يبقى أسير المليشيا، ولا أن يتحوّل تاريخه العريق إلى هامش في مشروع قادم من خارج حدوده. فهذا البلد، الذي ارتبط اسمه بالحكمة والحضارة، يستحق دولة تصون كرامة أبنائه، وتحمي مستقبل أطفاله، وتفتح أمامهم أبواب الحياة، بدل أن تحاصرهم بالخوف والفقر والحرب. وحين يرفض اليمنيون القهر، فإنهم يستعيدون حقاً أصيلاً أن يعيش الإنسان في وطنه حراً، آمناً على نفسه وأهله، قادراً على التعبير عن رأيه، دون أن يخشى الاعتقال أو التخوين. ومن حقهم أن يتخلصوا ممن صادر دولتهم، وبدّد مواردهم، وجعل الولاء للجماعة معياراً يتقدم على الكفاءة والمواطنة والقانون. إن قهر الرجال ليس عبارة عابرة. إنه وجع الأب الذي يعجز عن توفير قوت أطفاله، ومرارة الموظف الذي ينتظر حقه، وحسرة الطالب الذي تضيق أمامه سبل المستقبل. وهو خوف الأم على ابنها من أن يصبح وقوداً لصراع لا يملك قراره، وألم المواطن حين يرى السلاح يعلو على القضاء، وصوت الإرهاب يطغى على صوت الحق. لقد آن لليمن أن يخرج من عبث حكم المليشيات الإرهابية، وأن يستعيد مؤسساته من قبضة الحوثة ومن خلفهم، وأن يرفض الوصاية، أياً كان مصدرها. ولن يرضى الشرفاء أن تبقى سيادة بلدهم رهينة ارتباطات جماعة، ولا أن تصبح مصالح اليمنيين تفصيلاً مؤجلاً في حسابات مصالح بعض الدول المنتفعة. ولابد من انتفاضة شعبية تفتح باب الخلاص، وتوحد الجميع حول استعادة الدولة، وتحميهم من الانجرار إلى ثأر جديد. تستمد قوتها من وحدة المطالب، وشجاعة الكلمة، والتكافل بين المواطنين، ورفض تحويل الاختلاف السياسي إلى عداوة بين أبناء الوطن الواحد. فاليمنيون الأحرار أصحاب الحق في مستقبل وطنهم. ولا يجوز اختزالهم في سلطة فُرضت عليهم، ولا تحميلهم مسؤولية ممارساتها. والمحاسبة العادلة تتجه إلى من ارتكب الجريمة أو أمر بها، بأدلة وإجراءات قضائية، تحفظ للأبرياء أمنهم وحقوقهم. واستعادة الدولة تبدأ من تصور واضح لما يأتي بعد زوال التسلط.. مؤسسات تخدم المواطن، وقضاء مستقل، وسلاح يخضع لسلطة وطنية مسؤولة، وموارد عامة تُصرف بشفافية، ومدارس تعلّم الأطفال التفكير والعلم، وتتيح لهم أن يحلموا بمستقبل يتسع لطموحهم. كما يحتاج هذا الطريق إلى مسؤولية عربية ودولية تضع حياة اليمنيين في المقدمة، بدعم فرص السلام العادل، وحماية المدنيين، ومساندة الاقتصاد والخدمات، ومحاسبة من ينتهكون الحقوق، والتطلع إلى دولة مستقلة القرار. فاليمن يحتاج إلى شركاء يعينونه على النهوض، ويحترمون إرادة شعبه. إن دولة التاريخ والحضارة والحكمة قادرة على استعادة حرياتها، حين تجتمع إرادة أبنائها على مشروع وطني يتسع لهم جميعاً. ومستقبل لا يتوقف على رضا مسلح أو إذن جماعة أو مصالح مرتزقة. ذلك هو اليمن الذي يستحقه شعبه، وطن يستعيد قراره، وينصف أبناءه، ويمنحهم فرصة العيش بسلام.
اليمن ينتفض للحياة
مواضيع ذات صلة

