: آخر تحديث

حكم الدولة قبل أن تحكم المليشيا!

4
4
3

حين تمتلك مليشيا القدرة على تهديد المطارات والموانئ وطرق التجارة، فإن السؤال يتجاوز حدود الدولة التي تتعرض للاعتداء: من يملك حق تقرير حركة العالم؟ الدولة بقانونها ومؤسساتها ومسؤولياتها، أم جماعة مسلحة تفرض إرادتها بالصاروخ والمسيّرة؟ هذا هو جوهر الخطر الذي يواجهه المجتمع الدولي؛ فالتهاون مع تمدد سلطة السلاح خارج الدولة يفتح الباب أمام نظام تتراجع فيه السيادة، وتصبح سلامة المدنيين وحركة الاقتصاد رهينتين لقرار تتخذه جماعة لا تخضع للمساءلة العامة.

يحمل استهداف مصادر الوقود التي تسند عمليات مليشيا الحوثي دلالات عسكرية واستراتيجية تتصل بمستقبل المواجهة. وتبدأ قراءة هذه الدلالات من موقع الوقود في منظومة الإمداد العسكري، ومن أثر تعطيل تلك المنظومة في قدرة المليشيا على مواصلة العدوان. فالضربة تُقاس بما تعطّله من قدرة على القتال، وما تمنعه من اعتداءات لاحقة، وما تهيئه من فرص لاستعادة سلطة الدولة.

الصاروخ الذي يتجه إلى منشأة مدنية يمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة أطول، تبدأ بالتمويل والحصول على السلاح ومكوّناته، وتمر بالتهريب والتخزين والنقل والتجهيز. ولذلك فإن حماية الأرواح تتطلب الجمع بين التصدي للهجوم وتعطيل الموارد التي تتيح تكراره. فاعتراض الصاروخ يحمي الإنسان لحظة الخطر، وتجفيف الإمداد العسكري يقلّل قدرة المعتدي على صناعة خطر جديد. وهذه هي المسافة بين إدارة الهجمات وبناء الردع.

والوقود، عندما يُستخدم في إسناد العمليات العسكرية، يصبح موردًا للحركة والنقل والتشغيل واستدامة القتال. من هنا تنشأ الأهمية العسكرية لتعطيل منشأة ثبت أنها تسهم في هذه العمليات. لكن هذه الأهمية لا تُغني عن التحقق القانوني من طبيعة الهدف، ولا تجعل كل منشأة وقود هدفًا مباحًا؛ فالاستخدام الفعلي والظروف القائمة والأثر المتوقع على المدنيين عناصر لا يجوز إسقاطها من التقدير.

ويستند الإطار القانوني لحماية المدنيين والأعيان المدنية إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد القانون الدولي الإنساني. ويبيّن البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، ولا سيما المادتان 52 و57، ضوابط تحديد الأهداف العسكرية والاحتياطات الواجبة عند الهجوم. وتضع المادة 52 معيارًا لتحديد الهدف العسكري: أن يسهم الشيء، بطبيعته أو موقعه أو غرضه أو استخدامه، إسهامًا فعّالًا في العمل العسكري، وأن يحقق تدميره أو الاستيلاء عليه أو تعطيله ميزة عسكرية أكيدة في الظروف السائدة آنذاك. أما المادة 57 فتقرر احتياطات لحماية المدنيين، تشمل التحقق من الأهداف، وتقليل الأضرار العرضية، وتوجيه إنذار مسبق فعّال للهجمات التي قد تمس السكان المدنيين، ما لم تحول الظروف دون ذلك.

وهذا يعني أن الإنذار، على أهميته، إجراء ضمن منظومة التزامات متكاملة. فالتحذير لا يحوّل منشأة مدنية، بذاته، إلى هدف عسكري، ولا يرفع الحماية عن المدنيين الذين يتعذر عليهم المغادرة. كما أن وجود استخدام عسكري لا يُسقط واجب التناسب؛ فلا يجوز تنفيذ هجوم يُتوقع أن يُحدث أضرارًا مدنية مفرطة قياسًا إلى الميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المنتظرة. وتفاصيل كل عملية هي التي تحدد مدى استيفاء هذه الضوابط.

ويُعدّ توجيه إنذار مسبق فعّال للمدنيين بالابتعاد عن المواقع المستهدفة إجراءً مهمًا لحماية الأرواح، ضمن بقية ضوابط الاستهداف. والسعودية، باعتبارها دولة وازنة، تتحمل مسؤولية أن يقترن الحزم العسكري بالانضباط القانوني، وأن تُصان حياة الأبرياء في التخطيط والتنفيذ. فالدولة تحمي أمنها ضمن التزامات ومسؤوليات، وتزداد قوة موقفها حين تتكامل فاعلية الرد مع حماية السكان.

أما استخدام المليشيات منشآت تخدم المدنيين لإسناد أنشطتها العسكرية، فيعرّض السكان ومصالحهم للخطر، ويحوّل موارد يحتاج إليها المجتمع إلى أدوات لاستدامة الحرب. ومع ذلك، تظل حماية المدنيين واجبًا على جميع أطراف النزاع، مهما كانت تجاوزات الخصم. فالمعيار الذي نطالب العالم بالدفاع عنه يجب أن يبقى حاضرًا في وسائل الدفاع نفسها.

والسؤال عن اتجاه الأمور يرتبط بقدرة الحوثي على تعويض خسائره. فقد تتراجع قدرته بفعل الضربات، ثم يسعى إلى ترميمها إذا بقيت قنوات التمويل والتهريب والإمداد متاحة. ولهذا فإن الضغط المؤثر يحتاج إلى رقابة على الحدود والمنافذ، وتفكيك شبكات التهريب، وتتبع الأموال والوسطاء، ومنع وصول الأسلحة ومكوّناتها وفق الأطر القانونية ذات الصلة. فبقاء طريق الإمداد مفتوحًا يسمح بإطالة الحرب، حتى بعد خسائر ميدانية كبيرة.

كلما ضاقت منافذ التسليح، ارتفعت كلفة العدوان، وتراجعت قدرة المليشيا على المبادرة وإعادة البناء. لكن الاستسلام لا يصبح حتميًا بمجرد قطع مورد أو تنفيذ ضربة؛ إذ قد تلجأ الجماعة إلى مخزونها، أو تبحث عن مسارات بديلة، أو تصعّد لرفع كلفة مواجهتها. لذلك يحتاج التقدير الاستراتيجي إلى متابعة مستمرة للقدرات والسلوك، وإلى تحويل الضغط إلى نتائج سياسية وأمنية قابلة للاستمرار.

وهنا تأتي ضرورة دعم الحكومة اليمنية الشرعية سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وتمكين مؤسساتها من إدارة المناطق المستعادة، وتأمين الطرق، وتوفير الخدمات، وحماية السكان. فاستعادة الأرض تفتح الطريق لاستعادة الدولة، لكن المواطن يحكم على هذه العودة بما يراه من أمن وعدل وخدمات وفرص للعيش. وإذا تأخرت هذه النتائج، ظلت البيئة عرضة لعودة السلاح والابتزاز والتجنيد.

ودعم الشرعية يتطلب كذلك بناء مؤسسات كفؤة، وتعزيز المساءلة، وتوحيد القرار الأمني، وحصر السلاح في إطار الدولة. فالغاية أن تتأسس سلطة تحمي جميع اليمنيين، وتمنحهم سبيلًا للمشاركة السياسية من دون أن يكون السلاح أداة لفرض الإرادة. ويمكن لأي تسوية مستدامة أن تستوعب المشاركة المدنية ضمن القانون، بشرط إنهاء السلطة العسكرية الموازية وإخضاع استخدام القوة للمؤسسات المسؤولة.

أما خطر هذه المليشيات على الأمن العالمي، فيبدأ حين تتجاوز قدرتها على الإيذاء مساحة سيطرتها المحلية. فقد تستطيع جماعة محدودة الموارد تهديد ممر بحري أو منشأة حيوية، فتدفع دولًا وشركات إلى تغيير مساراتها وزيادة إنفاقها على الحماية. وهنا تظهر معادلة خطرة: تكلفة تعطيل النظام قد تكون أقل بكثير من تكلفة حمايته. وإذا لم تُعالج مصادر هذا التهديد، فإن الاقتصاد العالمي يبقى معرضًا لاستنزاف متكرر.

ويكشف استهداف السفن كيف ينتقل أثر العنف من ساحة النزاع إلى حياة أناس لا علاقة لهم به. فاضطراب الملاحة قد يؤخر البضائع، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في وصول الغذاء والدواء والطاقة. ولم يعد هذا مجرد افتراض؛ فقد طالب مجلس الأمن، في القرار 2722 لعام 2024، الحوثيين بوقف الهجمات على السفن التجارية، في اعتراف دولي بأن أمن الملاحة يتصل بالتجارة العالمية والسلم والأمن الإقليميين.

وفي القراءة المستقبلية، قد يؤدي ضعف الاستجابة الدولية إلى انتشار نموذج المليشيا القادرة على ابتزاز مصالح تتجاوز حدودها. فقد ترى جماعات أخرى أن السيطرة على مرفق أو طريق، وامتلاك أدوات هجومية، يمنحانها نفوذًا يفوق حجمها. وقد تجد جهات راعية في هذه الجماعات وسيلة للضغط مع محاولة التنصل من المسؤولية. وهذه احتمالات تستدعي الوقاية؛ لأن نجاح الابتزاز يشجع تكراره.

ولا يعني القول إن المليشيات قد «تحكم العالم» أنها ستسيطر على عواصمه جميعًا، بل إن الخطر هو أن تؤثر بالقوة في قراراته اليومية: أين تمر السفن، وكيف تُنقل الطاقة، ومتى تعمل المنشآت، وما الكلفة التي يدفعها الناس لقاء أمنهم. وعندما تصبح ممارسة الحقوق العامة مشروطة برضا جماعة مسلحة، فإن جزءًا من سلطة الدولة والنظام الدولي يكون قد انتقل إلى يد من يملك القدرة على التهديد.

ولذلك فإن واجب العالم يبدأ بإنفاذ قراراته. وقد تضمّن القرار 2216 لعام 2015 حظرًا مستهدفًا على السلاح ضمن نظام العقوبات الخاص باليمن. والمطلوب أن تتوافر إرادة وأدوات لتنفيذ الالتزامات ذات الصلة: تعاون جمركي وبحري، وتبادل للمعلومات، وتتبع للتمويل، ومساءلة للمتورطين في الإمداد المحظور وفق الأدلة والقانون. فالفجوة بين القرار وتطبيقه تمنح شبكات الحرب فرصة للاستمرار.

ويجب أن يقترن ذلك بحماية الملاحة ودعم قدرة الدول الساحلية ومؤسساتها، وبسياسة واضحة تساند استعادة الدولة اليمنية. كما ينبغي أن يبقى المجال الدبلوماسي مفتوحًا أمام إنهاء الحرب على أسس تمنع تجددها. فالردع يرفع كلفة العدوان، والتسوية المستدامة تبني شروط الأمن، وكلاهما يحتاج إلى مؤسسات قادرة على الوفاء بالتزاماتها.

وفي جميع هذه الإجراءات، يجب ضمان وصول الغذاء والدواء والمساعدات والاحتياجات المدنية المشروعة إلى اليمنيين. فمنع التسليح لا يجوز أن يتحول إلى خنق للمجتمع، ولا يجوز أن تكون معاناة الناس وسيلة ضغط. والمطلوب رقابة دقيقة تمنع أدوات الحرب وتحمي شرايين الحياة، وتتعامل مع الشعب اليمني بوصفه صاحب الحق الأول في الأمن والتعافي.

يمثل الخطر الحوثي اختبارًا لقدرة العالم على الدفاع عن مبدأ الدولة وعن أمن المصالح المشتركة. والتأخر في مواجهة هذا الخطر يضاعف كلفة معالجته، ويمنح جماعات السلاح وقتًا لتثبيت نفوذها وتوسيع شبكاتها. لذلك لا تكفي الإدانة حين يستمر الإمداد، ولا تكفي حماية الممرات وحدها حين تظل مصادر تهديدها قادرة على التجدد.

«حكم الدولة قبل أن تحكم المليشيا» دعوة إلى استعادة سلطة القانون والمؤسسات، وإلى تحمل مسؤولية دولية مبكرة تجاه خطر يتسع كلما تُرك دون معالجة. فالمعيار الحقيقي للنجاح هو أن تفقد المليشيا القدرة على تجديد العدوان، وأن تستعيد الدولة القدرة على حماية مواطنيها، وأن يعود أمن الملاحة والتجارة حقًا مضمونًا بالقانون. وعلى العالم أن يقوم بواجبه قبل أن يجد نفسه يدفع، مرة بعد أخرى، ثمن قرار تتخذه مليشيا.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.