: آخر تحديث
طبيب يداوي الناس وهو عليل:

الانفصام السياسي في إقليم كوردستان

5
8
3

في أدبيات السياسة الكوردية، يبرز تناقض صارخ يعيد إلى الأذهان المثل العربي الشهير: (طبيبٌ يداوي الناسَ وهو عليلُ). ففي جميع المناسبات والملتقيات، تتسابق الأحزاب السياسية الرئيسية في إقليم كوردستان، لا سيما الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، لتقديم أنفسها كأطراف إقليمية فاعلة، قادرة على التوسط وتقريب وجهات النظر بين القوى العظمى المتصارعة في المنطقة، وتحديدًا بين طهران وواشنطن، بهدف حل الأزمات الإقليمية وتخفيف حدة التوترات.

إلا أن هذا الدور النيابي كـ(مصلح دولي) يصطدم بواقع داخلي مأزوم، يكشف عجز هذه الأطراف عن مداواة جراحها ومشكلاتها العقيمة. فبالرغم من مرور أشهر طويلة على إجراء الانتخابات البرلمانية في الإقليم، وتصاعد الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تثقل كاهل المواطن الكوردستاني، لم تنجح هذه الأحزاب حتى الآن في التوافق على تشكيل الحكومة الجديدة أو تفعيل دور البرلمان بوصفه ممثلًا للشعب الكوردستاني، نتيجة الخلافات العميقة بين الإخوة الأعداء على تقاسم السلطة والنفوذ والموارد.

إن المفارقة تكمن في أن من يطرح نفسه (كطبيب) يملك ترياق الحلول لأزمات الشرق الأوسط المعقدة وصراعات المحاور الدولية، يثبت بالدليل القاطع أنه (عليل) سياسيًا، وغير قادر على إنتاج توافق داخلي بسيط يحمي الكيان الدستوري للإقليم. هذا العجز عن ترتيب البيت الداخلي يُفقد الخطاب الدبلوماسي الخارجي مصداقيته، ويجعل من شعارات الوساطة مجرد محاولة للتغطية على انسداد الأفق السياسي في أربيل والسليمانية.

ملتقى ميري: خطاب الوحدة والشراكات الإقليمية ولكن!

انطلقت صباح يوم الاثنين، 12 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، في مدينة أربيل أعمال ملتقى الشرق الأوسط ميري، الذي استمر يومين، بمشاركة عدد من القادة وصناع القرار والشخصيات السياسية والدبلوماسية والأكاديمية المحلية والدولية.

وركز الملتقى على التحديات السياسية المباشرة التي يواجهها العراق، والمشهد الإقليمي المتغير، والفرص الناشئة للتعاون الدولي. كما تناول سلسلة من المواضيع ذات الصلة والاستراتيجية من خلال المناقشات السياسية والتحليلات المعمقة، شملت تطور ديناميكيات القوة العالمية والإقليمية، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وآفاق السلام في سوريا، وإصلاح مؤسسات الدولة الرئيسية، ومأسسة العلاقات بين المركز والأطراف، وتعزيز التعايش العرقي والديني، وغيرها.

وشهد الملتقى حضور عدد من القادة وصناع القرار، من بينهم رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، ورئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، وشخصيات سياسية ودبلوماسية وأكاديمية محلية ودولية، من بينهم الجنرال مظلوم عبدي، الذي تحدث عن الأوضاع في سوريا بشكل عام، والسياسية الكوردية إلهام أحمد، وبافل طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني، الذي تحدث عن الأوضاع في إقليم كوردستان والعراق، وطرح وجهة نظر الاتحاد الوطني الكوردستاني ورؤيته للأوضاع الراهنة والحلول اللازمة للمشكلات.

وبالرغم من حضور رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في الملتقى ومشاركته الفعلية فيه، فإن مقر الزعيم الكوردي مسعود بارزاني انتقد، بعد انتهاء أعمال الملتقى، آلية تنظيم الملتقى، مؤكدًا أن المنتدى لا يرتبط به بأي شكل!

أخيرًا، بما أن بافل طالباني مستعد للجلوس إلى طاولة الحوار وتشكيل حكومة الإقليم الجديدة (خلال 24 ساعة فقط)، كما صرّح بذلك في الملتقى، وأكّد الأمر نفسه رئيس إقليم كوردستان في حديثه، فأين يكمن الخلل؟ ولماذا استمرت هذه الأزمة طوال كل هذه الأشهر؟ وما الحكمة من إطالة أمد الخلافات، في وقت ينتظر فيه المواطن الكوردستاني تشكيل حكومة قادرة على معالجة أزماته الاقتصادية والمعيشية؟ وهل يُعقل أن من يقدّم نفسه طرفًا إقليميًا فاعلًا في المنطقة، وقادرًا على التوسط وتقريب وجهات النظر بين القوى العظمى المتصارعة فيها، وتحديدًا بين طهران وواشنطن، بهدف حل الأزمات الإقليمية وتخفيف حدة التوترات، يعجز عن تشكيل حكومة بعد أكثر من سنتين؟

ولماذا أكّد مقر البارزاني أن المنتدى لا يرتبط به بأي شكل؟ وهل كانت المحاور التي طُرحت في الملتقى، ولا سيما من قبل رئيس إقليم كوردستان ورئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني، تتعارض مع مصلحة شعب كوردستان؟ وهل قدّم الملتقى شيئًا ملموسًا للشعب الكوردستاني الذي يعاني من أزمات اقتصادية مزمنة؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.