: آخر تحديث

اليمن: أزمة مركبة ومخارج ممكنة نحو تسوية سياسية تعيد بناء الدولة

6
7
3

يتساءل المراقب أحيانًا وهو يتابع ما يحدث في اليمن، متى كانت آخر مرة شعر فيها اليمنيون بأن بلدهم بخير؟ ربما يكون الجواب صعبًا، لأن ما يعيشه هذا البلد هو واقع مؤلم، واقع لا يمكن وصفه إلا بأنه كارثة مركبة، ليست سياسية فقط، ولا اقتصادية فقط، ولا اجتماعية فقط، بل هي مزيج من كل هذه الأبعاد متشابكة ومعقدة، يعري فشل النخب الحاكمة على مدى عقود، ويكشف عمق الانقسامات الداخلية وتشابك المصالح الإقليمية والدولية. وأي محاولة للحل تتطلب فهمًا شاملًا لهذه الأبعاد المتشابكة، لأن التركيز على جانب واحد وإهمال الآخر سيؤدي حتمًا إلى حلول هشة سرعان ما تنهار.

ولعل المدخل الأوضح لفهم ما يجري هو البعد السياسي، الذي يكشف عن أزمة شرعية مزدوجة: شرعية الحكم المركزي الذي احتكرته فئة واحدة لعقود، وشرعية الدولة نفسها التي فشلت في بناء عقد اجتماعي يمني موحد. والانقلاب الحوثي عام 2014 لم يكن سبب الأزمة بل نتيجة تراكمية لفشل الدولة المركزية في تمثيل جميع المكونات اليمنية. والحل هنا، في تقدير المراقب، يكمن في الانتقال إلى دولة اتحادية مرنة، بدلاً من الإصرار على نموذج الـ6 أقاليم الذي فشل. ويمكن تصور نموذج أبسط يقوم على إقليمين "شمالي وجنوبي" كمرحلة انتقالية، مع منح كل إقليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونه المحلية وأمنه وموارده، والاحتفاظ بحكومة مركزية ضعيفة مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع والعملة فقط. وهذا يتطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية تمثل جميع المكونات اليمنية بنسب عادلة، مع آلية واضحة لتداول السلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة بعد فترة انتقالية محددة 3-5 سنوات. ولا يمكن إغفال، بالطبع، برنامجًا شاملًا لنزع سلاح الميليشيات ودمج المقاتلين في مؤسسات الدولة المدنية أو العسكرية، مع ضمانات أمنية لجميع الأطراف.

غير أن القراءة المعمقة للأزمة تُظهر أن المعالجة السياسية، مهما كانت ضرورية، تظل قاصرة إن لم تُرافق بترميم ما تهدم من النسيج الاجتماعي، لأن الحرب لم تدمر البنية التحتية فحسب، بل مزقت العلاقات بين أبناء البلد الواحد. فالانقسامات القبلية والمناطقية والمذهبية تتفاقم، وهويات فرعية متصارعة تظهر (جنوبي، شمالي، حضرمي، صَعْدِي، إلخ). الثقة بين المكونات اليمنية وصلت إلى أدنى مستوياتها، والانتقام والثأر أصبحا لغة يومية في كثير من المناطق. لذلك، تبدو الحاجة ماسة إلى لجنة مصالحة وطنية شاملة تضم ممثلين عن جميع المكونات الاجتماعية والقبلية والمناطقية، مهمتها معالجة جذور الصراع وبناء رواية تاريخية مشتركة، والاعتراف بالأخطاء من جميع الأطراف. وتبدو الحاجة أيضًا إلى عدالة انتقالية تحاسب رموز الفساد والجرائم الكبرى من جميع الأطراف، لكن بعيدًا عن منطق الانتقام الجماعي، فالتركيز يجب أن يكون على المحاسبة الفردية وليس العقاب الجماعي. ولا يمكن إغفال برامج إعادة الإعمار المجتمعي، التي تعيد بناء الثقة على المستوى المحلي، عبر مشاريع تنموية مشتركة بين المناطق، وتبادل طلابي وثقافي، وإعلام موحد يعزز الهوية اليمنية الجامعة. وتمكين النساء والشباب هنا ليس ترفًا، بل ضرورة، فهم الأكثر تضررًا والأكثر قدرة على بناء مستقبل مختلف.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن فصل أي حديث عن الإصلاح عن الواقع المعيشي اليومي للمواطن، فالجوع والفاقة هما ما يدفعان الناس إلى اليأس، ويجعلان من أي مشروع سياسي مجرد كلام نظري إن لم يُترجم إلى رغيف خبز وسقف يأوي. فالعملة المحلية فقدت أكثر من 80 بالمئة من قيمتها، البطالة تجاوزت 60 بالمئة، والبنية التحتية مدمرة. لكن المشكلة الأعمق هي أن الاقتصاد تحول إلى "اقتصاد حرب" يستفيد منه أطراف معينة من استمرار الصراع. النفط والغاز والموانئ والموارد الطبيعية أصبحت مصادر تمويل للميليشيات بدلاً من أن تكون ملكًا للشعب اليمني. الحل هنا يبدأ بتوحيد البنك المركزي وإصلاح السياسة النقدية لاستعادة ثقة الأسواق بالعملة المحلية. وتبدو الحاجة أيضًا إلى إنشاء صندوق سيادي تدار عائدات النفط والغاز والموارد الطبيعية بشكل شفاف، يوزع وفق معادلة عادلة بين الأقاليم، مع رقابة دولية ومحلية صارمة لمنع الفساد. ولا بد من برنامج طوارئ لإعادة الإعمار بدعم دولي وإقليمي، يركز على البنية التحتية الأساسية: الكهرباء، المياه، الطرق، المستشفيات، المدارس، مع إعطاء أولوية للمناطق الأكثر تضررًا. وتبدو الحاجة أيضًا إلى تشكيل لجنة دولية وطنية مشتركة لتتبع الأموال المنهوبة والمهربة للخارج، واستعادتها لإعادة استثمارها في إعادة الإعمار. وأخيرًا، لا بد من فتح الموانئ والطرق وإزالة جميع القيود على الحركة التجارية والبشرية، لأن العزلة الاقتصادية تزيد من معاناة الشعب وتقوي اقتصاد الحرب.

بيد أن كل هذه المعالجات الداخلية، مهما بدت جوهرية، ستظل ناقصة إن لم تُعالج في إطارها الإقليمي والدولي الأوسع، فالأزمة اليمنية لم تعد شأنًا داخليًا خالصًا، بل تحولت إلى ساحة لتقاطع المصالح وتنافس القوى. فهي ساحة لتنافس إقليمي ودولي في آن واحد، وهذا التشابك جعل الحل الداخلي صعبًا، لأن كل طرف يمني بات مدعومًا من قوى خارجية لها أجنداتها الخاصة. لذلك، تبدو الحاجة إلى ضمانات أمنية إقليمية تضمن عدم استخدام اليمن كمنصة لتهديد أي دولة مجاورة، مع آلية رقابة دولية. وتبدو الحاجة أيضًا إلى تشكيل مجموعة أصدقاء دولية لليمن، الأمم المتحدة، دول الجوار، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، لدعم تنفيذ الاتفاق وتقديم الدعم الاقتصادي والسياسي. والأهم من ذلك، فك الارتباط بين الملف اليمني والصراعات الإقليمية الأوسع، والتركيز على المصالح المشتركة لدول الجوار في استقرار اليمن.

ومن هنا، تبرز ضرورة ترجمة هذه الرؤى إلى خارطة طريق عملية ذات مراحل زمنية واضحة، لأن الأفكار مهما كانت ناضجة تبقى حبرًا على ورق إن لم تُقترن بجدول تنفيذي ملزم. المرحلة الأولى (6-12 شهرًا) يجب أن تركز على تثبيت الهدنة وبناء الثقة، وقف شامل لإطلاق النار تحت رقابة دولية، فتح الطرق والموانئ والمطارات، صرف رواتب الموظفين في جميع المحافظات، الإفراج عن المعتقلين والأسرى، وتشكيل لجنة مصالحة وطنية. المرحلة الثانية (1-2 سنة) تركز على البناء المؤسسي، صياغة دستور جديد يقوم على الدولة الاتحادية، تشكيل حكومة وحدة وطنية، توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، إجراء انتخابات محلية في الأقاليم، وإطلاق برنامج إعادة الإعمار. المرحلة الثالثة (2-5 سنوات) تركز على التأسيس للدولة الجديدة، إجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، تفعيل المؤسسات الدستورية، استكمال برنامج نزع السلاح وإعادة الدمج، والانضمام إلى المنظمات الإقليمية والدولية بشكل طبيعي.

وفي خضم هذه التعقيدات، يبرز سؤال محوري يفرض نفسه، هل اليمن دولة فاشلة، أم دولة منهوبة من قبل نخب فاشلة؟ الشعب اليمني أثبت عبر التاريخ قدرته على بناء حضارات عريقة، ولديه كل المقومات ليكون دولة حديثة ومزدهرة، موقع استراتيجي، موارد طبيعية، شعب مبدع ومجتهد. الحل ممكن، لكنه يتطلب شجاعة من جميع الأطراف للتنازل عن بعض المكاسب الآنية من أجل مستقبل أفضل. يتطلب أيضًا تضامنًا دوليًا حقيقيًا ليس لإطالة أمد الصراع، بل لدعم الحل اليمني - اليمني. الوقت يعمل ضد اليمن. كل يوم يمر يعني المزيد من المعاناة، والمزيد من التدمير، والمزيد من فقدان الأمل. لكن التاريخ يعلم أن الشعوب التي تمر بأحلك اللحظات قادرة على النهوض، إذا توفرت الإرادة السياسية والحكمة والرؤية. اليمن يستحق فرصة جديدة. والسؤال الذي يبقى معلقًا، هل ستتوفر الإرادة؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.