ليس غريبًا أن ترتفع الأصوات مطالبةً بالسلام كلما اشتعلت الحروب، فليس هناك عاقل يتمنى استمرار نزيف الدماء، ولا وطن يريد أن يعيش أبناؤه تحت تهديد الصواريخ والمسيّرات. ولكن الغريب، بل والمؤلم، أن تأتي بعض الدعوات إلى التسوية السياسية في توقيت يثير التساؤل: وكأن السلام لم يكن مطروحًا من قبل، وكأن المعتدي لم تُتح له الفرص تلو الفرص ليعود إلى جادة الصواب!
إن ما شهدته المملكة العربية السعودية من اعتداءات حوثية على مطاراتها ومنشآتها المدنية ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل تهديد لحياة الإنسان وأمنه، وتجاوز لحدود اليمن إلى استقرار المنطقة بأسرها. فمطار الملك خالد الدولي بالرياض، وما تعرض له من اعتداءات أوقعت ضحايا ومصابين وأضرارًا، ومطار أبها، ومطارا جازان ونجران، وغيرها من المنشآت والمناطق المدنية، شواهد على خطورة أن تتحول الصواريخ والمسيّرات إلى وسائل لترويع الآمنين.
هؤلاء الضحايا ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، إنهم آباء وأمهات وأبناء، خرجوا من منازلهم إلى أعمالهم أو أسفارهم، ولم يخطر ببال أحدهم أن تتحول رحلة آمنة إلى مأساة، وأن يصبح مطار مدني ساحة للخوف والموت! ولم تكن حرمة الأماكن المقدسة بمنأى عن التهديدات التي طالت محيط مكة المكرمة والمدينة المنورة عبر سنوات الصراع، بما تمثلانه من قدسية ومكانة في قلوب ملايين المسلمين. وهنا نتساءل: أي قضية يدافع عنها من يروّع الآمنين؟ وأي نصر يدّعيه من يجعل المدنيين وقودًا لمشروعه؟
ثم تأتي المفارقة الأكبر! نسمع أصواتًا من عواصم عربية تطالب بالعودة إلى التسوية السياسية، وكأنها تقدم اكتشافًا جديدًا لإنهاء الأزمة اليمنية! وحين تصدر الدعوة إلى التسوية من دولة عربية كبرى، نكنّ لها ولقيادتها وشعبها كل التقدير والاحترام، فإن استغرابنا لا يتعلق بحقها في الدعوة إلى السلام، بل بتوقيت هذه الدعوة، بعد كل ما شهدته المنطقة من اعتداءات، وكأن مبادرات السلام السابقة لم تكن، وكأن المعتدي لم يكن هو من أضاع فرصها!
ومن حقنا أن نسأل: أين كانت هذه الأصوات عندما كانت المملكة تمد يدها للحل السياسي، وتدعم جهود الأمم المتحدة، وتسعى إلى إنهاء معاناة الشعب اليمني؟ ألم تعلن المملكة في آذار (مارس) 2021 مبادرة متكاملة لإنهاء الأزمة اليمنية تضمنت وقفًا شاملًا لإطلاق النار تحت إشراف الأمم المتحدة، وفتح مطار صنعاء، والبدء بمشاورات سياسية وفق المرجعيات المعتمدة؟ ألم تُعقد جولات ومشاورات في الكويت وجنيف وستوكهولم، وتُبذل جهود سعودية وعُمانية وأممية متواصلة، وصولًا إلى التفاهمات المتعلقة بخريطة الطريق السياسية؟ إذن، لم تكن المشكلة يومًا في غياب المبادرات، وإنما في غياب الضمانات الكفيلة بتحويل الاتفاقات إلى سلام دائم.
والمؤلم أن بعض الدعوات الجديدة تأتي بينما لا تزال آثار الاعتداءات ماثلة، وأسر الضحايا تعيش فاجعتها. فهل نريد تسوية تُنهي العدوان، أم هدنة تمنح المعتدي فرصة للاستعداد لعدوان جديد؟ وهل يُعقل أن تتحول التسوية إلى استراحة تعيد خلالها الميليشيات ترتيب صفوفها وتخزين أسلحتها، ثم تعود إلى تهديد جيرانها؟
لسنا ضد السلام، بل نحن معه، ولكن السلام الذي لا يحمي الأبرياء ولا يمنع تكرار العدوان ليس سلامًا، وإنما تأجيل لمأساة جديدة. لقد رفعت جماعة الحوثي شعارات المواجهة مع أميركا وإسرائيل، وقدمت نفسها باسم لا يليق بها أنصار الله، باعتبارها قوة تدافع عن قضايا الأمة، لكن الاعتداءات على المطارات السعودية والمدن والمنشآت المدنية تطرح سؤالًا لا يمكن الهروب منه: كيف تحولت تلك الشعارات إلى تهديد مباشر لحياة المسلمين وأمن جيران اليمن؟
إن ارتباط الحوثيين بإيران، وما يتلقونه من دعم عسكري وتقني، لم يعد شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب، بل أصبح جزءًا من معادلة أمنية أوسع تهدد دول المنطقة وممراتها الحيوية. ومع ذلك، فإن مسؤولية الجماعة عن قراراتها وأفعالها لا تسقط، مهما تعددت الجهات التي تدعمها أو تستفيد من استمرار الفوضى. ولا بد هنا من التأكيد على حقيقة مهمة: اليمن ليس الحوثي، والحوثي ليس اليمن!
فالشعب اليمني الشقيق، الذي أنهكته الحروب، وذاق مرارة النزوح والفقر والحرمان، هو أول ضحايا هذا المشروع، وهو الأحق بأن يستعيد دولته وأمنه وكرامته. ومن هنا، فإن دعم الحكومة اليمنية الشرعية، وتعزيز وحدة القوى الوطنية، واستمرار جهود التحالف في حماية المدنيين وإزالة مصادر التهديد، مسؤولية تتجاوز حدود المعركة العسكرية إلى مستقبل اليمن والمنطقة. إن الحسم المطلوب ليس انتقامًا من شعب، ولا دعوة إلى حرب مفتوحة، وإنما إنهاء قدرة الميليشيات على فرض إرادتها بالسلاح، وتجريدها من وسائل تهديد المدنيين، وتمكين الدولة اليمنية من بسط سلطتها على أراضيها.
والحسم العسكري، مهما بلغت أهميته، ينبغي أن يخدم هذه الغاية السياسية والوطنية، وأن يقترن بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني، حتى لا يدفع الأبرياء ثمن جرائم من يتخذونهم دروعًا لمغامراتهم. أما الدول الشقيقة والصديقة التي تنادي اليوم بالتسوية، فإننا نرجو أن تضع أمامها حقيقة ما جرى طوال السنوات الماضية، وأن تكون دعوتها مقرونة بموقف واضح من الاعتداءات، وضمانات عملية تمنع تكرارها.
فالعلاقات العربية لا تقوم على المجاملات وحدها، بل على وضوح المواقف حين يتعرض أمن دولة شقيقة للخطر. وليس من الإنصاف أن يُطلب من الضحية ضبط النفس في كل مرة، بينما يُترك المعتدي ليقرر متى يبدأ الحرب ومتى يطلب الهدنة!
إن المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، أثبتت عبر مواقفها ومبادراتها أنها لا تبحث عن الحروب، وإنما عن أمن مستدام يحفظ استقرار المنطقة ويصون حياة شعوبها. لكن الحرص على السلام لا يعني القبول باستمرار الاعتداءات، ولا التساهل مع من يهدد سيادة الوطن وسلامة مواطنيه والمقيمين على أرضه.
واليوم، ونحن نتطلع إلى ما يسميه أبناء اليمن "فجر اليمن"، فإن الأمل أن يكون بداية لاستعادة الدولة، لا مجرد جولة جديدة تنتهي باتفاق هش، ثم تعود بعدها المأساة من جديد. ولا بد من صنعاء وإن طال السفر، لا باعتبارها غنيمة حرب، بل عاصمة لدولة يمنية آمنة، يحكمها أبناؤها بمؤسساتها الشرعية، بعيدًا عن هيمنة السلاح والولاءات الخارجية.
وأخيرًا، ليست الحكمة في أن ننادي بالسلام كلما اقترب المعتدي من مواجهة نتائج أفعاله، وإنما الحكمة أن نمنع أسباب الحرب من العودة. ولمن يطالبون اليوم بالتسوية نقول: لقد طُرحت التسويات مرارًا، ومُدت الأيدي للسلام طويلًا، فاسألوا أولًا: من أضاع الفرص، ومن أطلق الصواريخ، ومن جعل حياة الأبرياء ثمنًا لمغامراته.
فالسلام لا يُقاس بعدد البيانات الصادرة باسمه، وإنما بعدد الأرواح التي يحميها، والحقوق التي يعيدها، والتهديدات التي ينهيها. اللهم احفظ وطننا الغالي، وقيادتنا الرشيدة، وأدم علينا نعمة الأمن والاستقرار، وانصر جنودنا ورجال أمننا، وارحم ضحايا الاعتداءات، واشفِ المصابين، واحفظ أهلنا في اليمن من كل سوء، واجمع كلمتهم على الحق، وأعد إلى بلادهم أمنها ووحدتها وعافيتها. اللهم اجعل "فجر اليمن" فجرًا لا تغيب شمسه، وسلامًا لا تعقبه حرب، ونصرًا للوطن والإنسان، لا للميليشيات والسلاح. اللهم آمين يا رب.


