ليلى أمين السيف
لم تعد السلطة الرابعة فيما يسمى الدول الديموقراطية وحدها تحتكر مراقبة الحكومات ومحاسبة المسؤولين. فقد ظهر سلاح جديد لا يحتاج إلى ترخيص ولا ميزانية ولا حتى شهادة في السياسة. يكفي أن تمتلك هاتفا وباقة إنترنت وشيئا من الجرأة أو كثيرا من الفراغ لتصبح في غضون دقائق خبيرا اقتصاديا ومحللا سياسيا ومفتشا إداريا وربما مستشارا لرئيس الدولة!
في عالم المواقع الافتراضية تستطيع أن تحاكم وزيراً قبل أن ينهي قهوته وأن تسقط حكومة قبل اجتماعها وأن تعالج أزمة اقتصادية بمنشور من ثلاثة أسطر. أما إذا استعصى عليك حل مشكلة وطنية كبرى فلا تقلق. أطلق وسما غاضبا وأرفقه بصورة قديمة وستجد نفسك تقود ثورة إلكترونية يتابعها آلاف الأشخاص الذين لا يعرفون المشكلة ولا تاريخها لكنهم مستعدون لخوض المعركة حتى آخر إعجاب!
والعجيب أن المواطن الذي لا يستطيع أحيانا انتزاع حقه من مكتب صغير قد يتحول على مواقع التواصل إلى قاهر الفساد وكاشف المؤامرات وصاحب الحلول السحرية. هناك تختفي المسافات بين المعرفة والجهل وبين الحقيقة والإشاعة وبين النقد والتشهير. فالجميع خبراء والجميع يملكون الأدلة والجميع يعرفون ما يجري خلف الأبواب المغلقة. وحده المسؤول المتهم لا يعرف شيئًا عما يحدث إلا عندما يخبره منشور متداول بأنه أصبح حديث العالم!
ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذا السلاح قد أحدث تحولا حقيقيا في قدرة الناس على كشف التجاوزات وتسليط الضوء على المظالم التي كانت تُدفن في الأدراج. فكم من قضية أهملتها المؤسسات حتى أعادتها مواقع التواصل إلى الواجهة وكم من صوت مكلوم لم يسمعه أحد حتى تناقل الناس حكايته وكم من مسؤول اضطر إلى تقديم تفسير بعدما ظن أن الصمت سيطوي الصفحة إلى الأبد.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول كشف الحقيقة إلى صناعة للحقيقة وحين تصبح المحاسبة تصفية حسابات وحين يُقاس نجاح القضية بعدد المشاركات لا بصحة الوقائع. عندها لا يعود السؤال: هل هذا الكلام صحيح؟ بل يصبح: كم شخصا أعاد نشره؟ وكأن الحقيقة في عصرنا الجديد تحتاج إلى تصويت شعبي كي تصبح حقيقة!
أما المعارضة فلها في هذا العالم حكاية أخرى. فلا تنتظروا من قوى المعارضة في أي بلد أن تكون وديعة كحمل صغير أو أن تتحول إلى جمعية خيرية توزع الورود على الحكومة. فالمعارضة بطبيعتها تسعى إلى كشف الأخطاء وإحراج السلطة وانتزاع المساحة السياسية. وهذا أمر مفهوم في الحياة السياسية. لكن بعضهم ينسى أن مراقبة الحكومة شيء والرغبة في إفشال كل ما تفعله شيء آخر. فإذا أصلحت الحكومة قالوا إنها تناور وإذا أخفقت قالوا إنها أثبتت فشلها وإذا سكتت اتهموها بالعجز وإذا تحدثت اتهموها بالتضليل. وهكذا تصبح الحكومة مذنبة في جميع الأحوال ولا يبقى أمامها سوى أن تستأذن المعارضة قبل أن تتنفس!
وفي المقابل لا تقل السلطة أحيانا في هذه الدول براعة في استخدام المواقع. فإذا انتقدها المواطن وصفته بالمغرض وإذا كشف خللا اتهمته بتشويه السمعة وإذا طالب بالإصلاح اكتشفت فجأة أن وراءه أجندة خفية. أما إذا مدحها فربما اكتشفت فيه موهبة وطنية تستحق الرعاية والتكريم!!
وهكذا تتحول الساحة الافتراضية إلى مسرح عالمي تتنافس فيه الحكومات والمعارضات والمؤثرون والجيوش الإلكترونية. لكل فريق جمهوره وأبطاله وخصومه وروايته الخاصة للأحداث. وبين هذا الضجيج يقف المواطن العادي محاولا معرفة أين الحقيقة وأين الدعاية وأين ينتهي النقد المشروع وتبدأ التجارة بمشاعر الناس.
إن مواقع التواصل ليست خيرا مطلقا ولا شرا مطلقا. إنها سلاح ذو حدين؛ قد تكون عينا ساهرة على مصالح الشعوب وقد تتحول إلى آلة لتضليلها. وقد تبني وعيا عاما يفرض الإصلاح وقد تصنع فوضى من الشائعات لا يستفيد منها إلا من يتقن إشعال الحرائق ثم الوقوف أمامها بملامح رجل الإطفاء.
وبين الواقع والمواقع تبقى المفارقة الكبرى أن بعض الناس يريدون حكومة بلا أخطاء ومعارضة بلا مصالح ومواطنين بلا انفعالات وإعلاما بلا توجيه. وهذه المدينة الفاضلة لا وجود لها إلا في المنشورات التي يكتبها أصحابها وهم جالسون خلف شاشاتهم!
أما الواقع فله قوانينه وتعقيداته ومصالحه وحساباته. ولا تكفي مئة ألف مشاركة لإصلاح مؤسسة فاسدة إذا لم تتحول الضجة إلى مساءلة حقيقية ولا تكفي ألف حملة لإسقاط حقيقة ثابتة إذا كانت الأدلة معها.
فالإنجاز ليس أن تنتصر في معركة التعليقات بل أن تنتصر الحقيقة. وليس أن تُسكت خصمك بل أن تكشف الخلل. وليس أن تجعل وطنك حديث المواقع بل أن تجعل حياة مواطنيه أفضل في الواقع.
ففي النهاية قد تربح المعركة الافتراضية وأنت تخسر الوطن الحقيقي. وقد تخسر معركة التعليقات بينما تكون قد وضعت قدمك على أول طريق الإصلاح.
وهنا يكمن الفرق بين من يستخدم المواقع لتغيير الواقع ومن يستخدم الواقع مادةً للتسلية على المواقع!

