في الأزمات الكبرى لا تُختبر قوة الدول بإمكاناتها العسكرية والاقتصادية وحدها، وإنما بوعي مجتمعاتها، وثقة مواطنيها بمؤسساتها، وقدرتهم على التمييز بين التعبير الصادق عن الوطنية والحماس الذي قد يتحول دون قصد إلى مصدر للارتباك ونشر المعلومات المضللة!
فالأحداث التي شهدتها المملكة مؤخراً، وأبرزها الاعتداءات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي بالرياض، أعادت إلى الواجهة مسؤولية المواطن والإعلامي والمؤثر في التعامل مع الأخبار والمعلومات، خصوصاً في ظروف استثنائية تتسابق فيها المنصات على نشر كل جديد، صحيحاً كان أم غير صحيح.
والجميل انه كما اعتدنا من ثبات المجتمع السعودي وتماسكه وثقته بمؤسسات الدولة، إلى جانب ما تابعناه على وسائل التواصل الاجتماعي من مواقف إنسانية جميلة جاءت من خارج الحدود، حين تفاعل مواطنون من بعض الدول الشقيقة مع بيانات السفارات السعودية بشأن المواطنين الذين تعطلت رحلاتهم، معلنين أن بيوتهم مفتوحة لإخوانهم السعوديين، وأنهم بين أهلهم وفي أوطانهم، وهذه المواقف العفوية تحمل معاني كبيرة من المحبة والوفاء، وتؤكد أن العلاقات بين الشعوب تتجاوز المواقف الرسمية إلى روابط إنسانية واجتماعية عميقة تظهر قيمتها الحقيقية في الأزمات.
لكن وسط هذه المشاهد الإيجابية، تبرز مسؤولية لا تقل أهمية، وهي ألا تتحول مشاعر الوطنية والحماس إلى اندفاع غير عقلاني، خصوصاً عند تداول مقاطع مجهولة المصدر، أو صور قديمة تُنسب إلى أحداث جديدة، أو معلومات أمنية وعسكرية لا يملك ناشروها القدرة على التحقق منها، خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار أن ليس كل من ينشر خبراً مثيراً يخدم وطنه، وليس كل من يعيد تداول مقطع حماسي يعبر بالضرورة عن وعي وطني، فقد تتحول بعض المشاركات، رغم حسن نوايا أصحابها، إلى مصدر للمعلومات المضللة أو إثارة القلق، وربما خدمة أهداف جهات تسعى إلى استغلال الأحداث إعلامياً.!
فقد أثبتت تجارب الأزمات حول العالم أن الشائعات قد تتحول إلى أزمات، خصوصاً عندما تختلط الأخبار الصحيحة بالتوقعات والتحليلات الشخصية، ويصبح عدد المشاهدات والتفاعل معياراً لأهمية الخبر، بعيداً عن دقته ومصداقيته.
وهنا تبرز أهمية تعزيز الوعي الإعلامي لدى أفراد المجتمع، ليس من خلال التوجيهات التقليدية وحدها، وإنما ببناء ثقافة تجعل التحقق من المصدر، وفهم سياق الخبر والتفكير في عواقب نشره سلوكاً طبيعياً لدى الجميع، خصوصاً أن بعض الأخبار قد تكون صحيحة في أصلها، لكنها تُنشر خارج سياقها أو يُضاف إليها ما يغير مضمونها.
وفي مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن تتضاعف مسؤولية وسائل الإعلام والمؤثرين ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في التعامل مع المعلومات والأحداث، خصوصاً أن بعض ما يُنشر بدافع الحماس الوطني قد يحمل نتائج عكسية، سواء من خلال تضخيم الوقائع أو تداول أخبار غير مؤكدة، أو الدخول في نقاشات وانفعالات لا تخدم المصلحة العامة.
لذلك، وأمام الظروف المحيطة بنا، تبرز أهمية الوعي لدى المواطنين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وأكرر الوعي، وضبط الانفعالات في الأزمات، وألا يعتقد البعض أن «الوعي» تراجع عن الموقف الوطني، وإنما هو جزء من المسؤولية تجاه الوطن والمجتمع، لأننا نحتاج اليوم إلى الوعي أكثر من أي وقت مضى، لكي لا يستغل الاعداء حماسنا الوطني الطبيعي.

