: آخر تحديث

آن الأوان لأن يقوم العرب بردع وتحجيم إيران

6
7
4

تمر علاقة الدول العربية مع جارتها اللدود إيران هذا العام بإحدى أكثر مراحلها حساسية وحسمًا، فالصراع الذي تفجّر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين نظام الملالي في شباط (فبراير) 2026، وضع الدول العربية، لا سيما الخليجية، أمام تحديات جسيمة. فمع تزايد استهداف إيران ووكلائها في اليمن والعراق للدول العربية، واكتشافها أنها قد تصبح سريعًا مسرحًا لتصعيد خارج عن سيطرتها، بات لزامًا عليها تغيير مفهومها للردع جذريًا، إن أرادت الحفاظ على وجودها. فذيول إيران باتوا يتجاسرون علنًا بالحديث عن زوال دول خليجية من الوجود، وهو ليس من فراغ، بل صدى لهمس أسيادهم في قم.

قبل أيام من تفجّر الصراع، سعت دول الخليج إلى التوسط لتجنبه، خشية أن يصيبها رذاذه، وبالرغم من صدق حدسها، فإنها لم تتوقع هذه النتيجة العنيفة. فبعد ثمانية أشهر من اندلاع الحرب، تبيّن أن فاتورة خسائرها، التي لا تزال مفتوحة، فادحة، فقد تضررت مصافي نفط ومحطات غاز ومنشآت حيوية أخرى، علاوة على إغلاق إيران لمضيق هرمز، شريان المنطقة التجاري. كذلك أثبتت الحرب بالفعل ما أعلنه يومًا، صوتًا وصورة، غلام إيران أبو مهدي المهندس في تسجيل فيديو مع أحد أتباعه، وهو يقول له بالفارسية: "أتمنى لك الشهادة بعد تدمير إسرائيل"، فيجيبه المهندس بالفارسية: "لا، دع إسرائيل، أريدها بعد تدمير الرياض والسعودية"، وهو أن دول الخليج هي هدف إيران الأول وليس أميركا وإسرائيل، بدليل أنها انهالت عليها بأضعاف المسيّرات والصواريخ التي على إسرائيل، وأنها لم تقصف القواعد الأميركية في تركيا وأذربيجان كما فعلت مع تلك التي في الدول العربية، ما جعلها تدرك أن إيران لا ينفع معها سوى الردع. لعقود كان نظام دول الخليج الأمني يعتمد على الولايات المتحدة التي وفرت الردع اللازم كما فعلت بعد غزو الكويت. لكن إيران استغلت هذا الوجود الآن ذريعة لجرّها إلى الحرب، ويبدو أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة بهذه المسؤولية. لذا لم يعد ممكنًا الاعتماد عليها، بدليل أنه بعد توغل الحوثيين نحو باب المندب، طلب الأمير محمد بن سلمان دعم ترامب، لكنه رفض ضرب الحوثيين!

إيران باتت كالثور الهائج، خصوصًا بعد إحكام ميليشيات مرتزقتها العراقية واللبنانية والفلسطينية واليمنية سيطرتها على أربع دول عربية، فالحشد والحوثي يحكمان العراق واليمن فعليًا، فيما تدير حماس وحزب الله حكومات ظل بغزة وجنوب لبنان، كل منها يمتلك ترسانة عسكرية. لذا قررت ملاعبة الولايات المتحدة وحلفائها على المكشوف، لفرض نفسها كقوة مطلقة للمنطقة. لذا صعّدت حدة خطابها الذي بات يدور حول السيطرة والانتقام، لدرجة أن الحرس الثوري سعى لتخريب الاتفاق مع الولايات المتحدة بإطلاق النار على السفن في مضيق هرمز، حين كان المفاوضون يضعون لمساته الأخيرة.

بالمقابل تبيّنت حدود المظلة الأمنية الأميركية، التي لم تمنع ضرب الطائرات المسيّرة الإيرانية لأهداف حيوية في الخليج. لذا، ينبغي عليها الاستثمار بأنظمة دفاع أقوى، مع تحديد خطوط حمر مستعدة للدفاع عنها بشكل جماعي. تزداد الحاجة إلى التنسيق إلحاحًا، فحتى لو خفت حدة القتال، من غير المرجح أن تتخلى إيران عن استراتيجيتها المتمثلة بتهديد جيرانها واستخدام مضيق هرمز وباب المندب كورقة ضغط. لذا التكامل الخليجي بجميع المجالات لم يعد خيارًا، بل مسألة وجود حتمية تستدعي تحركًا عاجلًا. كل هذا يعني أن دول الخليج لم يعد بإمكانها الاعتماد على واشنطن أو الحوار مع طهران لحل مشاكلها الأمنية، بل إن تعزيز التنسيق بينها هو السبيل الأمثل والأوحد. عليها أولًا إقرار مبدأ أن أي هجوم على أي منها يستدعي ردًا من جميعها، واستغلال موقعها القوي لحشد الدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي ضد إيران. لكن التحدي الأكبر يكمن بمدى استعدادها لاستخدام هذه الأدوات فعليًا. وحين تسعى إيران للتعافي من آثار الحرب، يُفترض حينها أن تستخدم أدوات ردعها الاقتصادية، التي قد تشمل قطع العلاقات التجارية التي لا تزال قائمة بين بعضها وإيران، وإغلاق الشركات الوهمية وممرات الشحن السرية في الخليج، والتي لعبت دورًا أساسيًا في الالتفاف على العقوبات لسنوات.

تتمثل إحدى المهام الرئيسية لدول الخليج مستقبلًا في تقليل اعتمادها على مضيق هرمز، عبر إنشاء خطوط أنابيب جديدة لتصدير النفط والغاز، والتي بدورها تحتاج إلى بنية تحتية قد يستغرق إنشاؤها سنوات. فقبل الحرب كان يمر ما يقارب 20 مليون برميل عبر مضيق هرمز، وهو أمر لا يمكن تعويضه بخط أنابيب جديد أو اثنين، لذا فالمحافظة على الاستمرارية تحتاج إلى عدة تدابير في وقت واحد. إن زمن التراخي الذي عاشته دول الخليج في تصدير الطاقة وتراكم الثروة والاعتماد على الولايات المتحدة أمنيًا قد ولّى، وعليها الآن تحمل مسؤولية أمنها الذاتي، وأن تسابق الوقت وتضاعف الجهد وتوفر المال لبناء نظام جديد، دون التعويل على أحد، كالصين وروسيا مثلًا، لأنهما حليفتا إيران، أو أوروبا المنشغلة بانسحاب أميركا الوشيك من أوروبا. لذا بدأت المملكة العربية السعودية تبحث عن حلفاء إقليميين، فكان اتفاق مكة الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان، والذي تنص أبرز بنوده على أن أي هجوم على إحداها يُعتبر هجومًا عليها جميعًا. قد يصبح هذا الاتفاق لبنة بنية استراتيجية جديدة. فبالنسبة إلى الرياض، يتيح لها تنويع علاقاتها الأمنية وتنمية قدراتها العسكرية وإبراز صورتها كقوة قادرة على إرساء الاستقرار الإقليمي، بدل الاكتفاء بمطالبة واشنطن. أما تركيا فتسعى لعدة أهداف، أهمها تعزيز دورها كلاعب أساس في المنطقة، وتوسيع حضورها في الخليج، وتسويق صناعتها الدفاعية. وبالنسبة إلى باكستان، يفتح الاتفاق الباب أمام تحويل علاقتها التقليدية مع السعودية إلى شراكة شاملة، وتعزيز مكانتها في منطقة مهمة لاقتصادها وأمنها.

بالمحصلة، هذا الاتفاق لن يعوض عن أي تحالف عربي-عربي يجب أن يسبقه بين الدول العربية، أو الخليجية على الأقل. إيران لا تنظر إلى تركيا وباكستان كنظرتها للدول العربية، وليس لديها حقد تاريخي عليهما كحقدها على الدول العربية. لذا لا نراها تتعامل مع تركيا وباكستان بالفوقية التي تتعامل بها مع الدول العربية، لأن تركيا وباكستان دول قوية تتعامل معها بندية، وليس بتبعية وخوف كما تفعل بعض الدول العربية. وتركيا وباكستان لديهما جيوش تعرض قوتها بين الحين والآخر لردع جيرانها، بينما تعجز الجيوش العربية، بالرغم من عدتها وعددها، عن أن تعرض قوتها أمام إيران. وأخيرًا وليس آخرًا، تركيا وباكستان لا تحكمهما، كما العراق واليمن ولبنان وغزة، أحزاب وميليشيات عميلة لإيران، يجاهر مرتزقتها بولائهم لها ولمرشدها ويصرحون بأنهم سيقفون مع إيران إذا قامت حرب بينها وبين العراق!

لقد أثبتت الأيام أن إيران لا تفهم لغة الكلام ومبدأ الاحترام، بل لغة الصدام ومبدأ الإرغام كما تعامل معها صدّام في حرب الثمانية أعوام، حينها فقط قد تتجرع السم وتجنح للسلام. إيران لا تفهم غير مبدأ التعامل بندية، لا بدونية كما يفعل ذيولها وجمهورهم في العراق، ما جعلها تمعن في غيّها لأنها شعرت بأنها حققت مرادها بإعادة أمجاد دولتها الساسانية الغابرة التي أسقطها عرب الجزيرة العربية، لتصبح خراسان ولاية عباسية بعد أن كانت الحيرة ولاية ساسانية! لكن "الأيام دول" مبدأ لا يفقهه العقل السياسي الإيراني المصاب بلوثة التفوق العرقي على الآخرين، وخصوصًا جيرانها. إيران لم تفهم في الماضي البعيد ولا القريب ولن تفهم يومًا سوى لغة القوة، ففي بداية تأسيس الدولة العراقية، لم يعترف حكام إيران بالدولة الفتية، لأنهم لطالما رأوا العراق جزءًا من دولتهم، وأرادوا ابتلاعه بعد تحرره من الاحتلال العثماني، وعزّ عليهم وربما تجرعوا السم حين رأوه يصبح دولة معترفًا بها على يد أمير حجازي، كما فعل أجداده قبل 1400 عام. لكنهم عادوا وباتوا كالقملة المفروكة حين أصبح مملكة يحكمها ملك مهيب وساسة حكماء يُحسب لها ولهم ألف حساب، فباتوا يتمنون نسبه وتزويج بناتهم بملوكه وأمرائه، وقبل شاهنشاهاته أن تصبح بلادهم عضوة في حلف يحمل اسم بغداد. وليس كحكام اليوم من ذيول إيران، ممن يتوسلون رضاها ويقبّلون أقدام زوارها ويقلدون ملاليها ويعلقون صورهم في بيوتهم ويفتخرون ويعتزون بدونيتهم لهم، حتى بات العراق، وخصوصًا المدن التي تحكمها هذه الأحزاب، أشبه بأصغر حارة إيرانية!

تحتاج دول الخليج، ومعها ربما الأردن واليمن بعد تحريرها من ذيول ومرتزقة إيران من الحوثيين، إلى جبهة موحدة في الردع، تشمل إنشاء مراكز قيادة مشتركة وتبادل البيانات وتنظيم المناورات وتحديد إجراءات رد على هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة. حينها سيصبح التحالف رادعًا لإيران، ويقلل من إغراء اختبارها لنقاط ضعف الدول المتحالفة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.