إن شحنة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر ليست حادثًا عابرًا، ولا ملفًا أمنيًا يمكن إقفاله عند توقيف ناقلَي تلك المواد. إنها صورة مُصغّرة عن المأزق اللبناني: حزب ينقل أدوات الموت بين المناطق، ودولة تنتظر أن تقع هذه الأدوات في يدها، ثم تتردد في الإجابة بحزم عن أسئلة بديهية: مَن أمر بنقل المتفجرات، ومَن جهّزها، ومَن كان ينتظر وصول الشحنة؟
لقد بلغ وزن المضبوطات، بحسب المعلومات المنشورة، نحو 780 كيلوغرامًا، وهي تتضمن متفجرات ومواد شبيهة، وكانت وجهتها الضاحية الجنوبية لبيروت. هذه ليست أمتعة شخصية، بل حمولة تحتاج إلى شبكة من التقنيين، إضافة إلى التجهيز والتكليف وإعداد مكان للتسليم. لذلك، فإن أي تحقيق ينتهي عند السائق ورفيقه يكون قد غفل عن القضية الأساس وتركها خارج غرفة التحقيق: البنية التي تدير النقل وتملك المخازن وتصدر الأوامر.
إن طريق تحرير الجنوب لا يمرّ ببيروت. هذه الحقيقة يجب أن تُقال دون تلعثم. لا يملك حزب الله حق تحويل العاصمة وضواحيها إلى مستودعات عسكرية، ولا يحق له مطالبة اللبنانيين بتصديق مقولة إن كل شحنة متفجرات تحمل وعدًا بتحرير الأرض. لقد استُهلكت هذه الذريعة حتى صار المواطن مطالبًا بالخوف من إسرائيل والصمت عن السلاح الذي يمرّ قرب بيته. ومَن يعترض يُتهم بالخيانة، كأن الوطنية تُقاس بمدى استعداد اللبناني لقبول الخطر المفروض عليه.
الخوف من الاغتيالات مفهوم في بلد استُخدمت فيه المتفجرات لإلغاء أشخاص وتغيير موازين سياسية. أما تحديد الغرض من الشحنة فهو واجب التحقيق، لكن حماية الناس لا تحتمل انتظار وقوع الجريمة. المطلوب كشف المستودعات وشبكات النقل وسلسلة القيادة؛ أما الاكتفاء بمصادرة المضبوطات، ثم العودة إلى الحياة العادية، فيتيح تكرار الحادثة، ويمنح أصحابها الوقت لتصحيح الخطأ الذي أدى إلى انكشافهم.
هنا يُطرَح السؤال عن الأجهزة الاستخبارية. أين كانت قبل الحاجز؟ وما الذي تعرفه عن حركة السلاح داخل البلاد؟ إن ضبط أي شحنة يفرض البحث عن الشحنات التي سبقتها، لا الاحتفال بالإنجاز ثم إغلاق الملف. وعندما تصبح مهمة الأجهزة إدارة العلاقة مع حزب الله وتجنّب إغضابه، فإنها تعمل فعليًا لمصلحته. الموظف الأمني الذي يتعامل مع ترسانة الحزب كأمر واقع، ويسارع إلى احتواء الاعتراض عليها، يحمي وجودها مهما كانت نيته.
لا ينبغي أن يُترك العناصر الذين أوقفوا السيارة وحدهم في مواجهة هذه المنظومة. واجب قياداتهم حماية عملهم واستكماله. كذلك، فإن ما نُشر عن تأخر انكشاف القضية والضغوط لمنع تداولها والمطالبة بإعادة المضبوطات يستدعي مساءلة واضحة. إن استمرار القاضي كلود غانم في التحقيق، وفق التقارير، خطوة تستحق الدعم، لكن الامتحان الحقيقي هو الوصول إلى المسؤولين، ومنع تحويل الملف إلى تسوية تُعقد فوق رؤوس اللبنانيين.
الكحالة ليست بعيدة عن الذاكرة. في عام 2023، كشفت شاحنة انقلبت على الطريق حمولة ذخائر للحزب، وانتهى المشهد بإطلاق نار ومقتل شخصين. يومها، عرف الأهالي ماذا يعني تمرير السلاح بينهم: تستطيع منظومة حزبية أن تجعل من بلدتهم ساحة مواجهة في دقائق. واليوم نستذكر السؤال نفسه، لأن الدولة لم تُنهِ أصل المشكلة. ما زال الحزب يتحرك بسلاحه، وما زال يُطلب من المجتمع دفع كلفة هذا التحرك.
في هذا السياق، يأتي كلام قائد الجيش رودولف هيكل عن إعادة خدمة العلم ليكشف خللًا في فهم موقعه وأولوياته. قائد الجيش ضابط يتلقى أوامره من السلطة السياسية، وليس صاحب تفويض مستقل ليقرر كيف يُعاد تنظيم حياة اللبنانيين. فهو لا يملك الحق في إعلان إعادة التجنيد كما لو كان خيارًا شخصيًا ينتظر تنفيذه. هذا قرار يحتاج إلى مسار سياسي وتشريعي وموازنة وضمانات، وليس إلى رغبة يعبّر عنها قائد عسكري على هامش مناسبة رياضية.
والأهم أن هيكل لم يقدم، حتى الآن، ما يكفي لإثبات أهليته للمسؤولية التي يتولاها في هذا الملف. يتجلى معيار القيادة في القدرة على تنفيذ قرار حصر السلاح، وتفكيك البنية العسكرية الموازية، وإخضاعها لسلطة الدولة. أما استمرار التسويف، ثم الانتقال إلى الحديث عن تجنيد الشباب لتعزيز الوحدة، فيضع العبء على المواطنين ويترك مصدر الانقسام مسلحًا.
يدفع اللبنانيون من ضرائبهم كلفة مؤسسة عسكرية يُفترض أن تحافظ على سيادتهم وتحميهم. لا تكفي إدارة الأمن حول مباريات كرة القدم وكرة السلة في الملاعب الكبرى لإقناعهم بأن المؤسسة تؤدي واجبها. لهذه المهمات مكانها، لكن الدستور لا يُصان عند بوابات الملاعب وحدها. إنه يُصان عندما تفرض الدولة قرارها على صاحب السلاح الذي يرفض تطبيق هذا القرار، وعندما يُمنَع نقل مثل تلك المتفجرات وتخزينها بعيدًا عن رقابة الدولة.
وقبل استدعاء جيل جديد للانخراط في الثكنات، يجب ضمان عدم تحويل خدمته إلى توفير سائقين ومرافقين للضباط وعائلاتهم. يحتاج اللبنانيون إلى جيش محترف، وإلى رقابة تضع حدًا للمحسوبيات ولاستخدام الأفراد في الخدمات الشخصية. الوحدة الوطنية تبدأ بتساوي المواطنين أمام القانون، لا بإخضاع بعضهم للتجنيد وترك بعضهم الآخر داخل تنظيم يحتفظ بحرية الحرب والسلاح.
وشحنة ضهر البيدر تستحضر متفجرات اغتيال رفيق الحريري، التي تجاوزت هذه الحمولة، وأحكام الإدانة التي صدرت بحق أفراد مرتبطين بحزب الله. تلك الأحكام تجعل الحديث عن العدالة بمثابة مسؤولية ملموسة، لا شعارًا. كذلك، فإن مواجهة الحزب للتحقيق في انفجار المرفأ تبقى جزءًا من مسؤوليته السياسية عن عرقلة كشف الحقيقة، بصرف النظر عما سيخلص إليه القضاء بشأن أسباب الانفجار والمسؤولين عنه.
حزب يرفع البندقية في شعاره، ويخوض حروب المشروع الإيراني من سوريا إلى إسناد حلفائه في العراق واليمن، يطلب من اللبنانيين ثقة لم يقدم أساسًا لها. حادثة ضهر البيدر هي تذكير بأن الرهان على حكمته مقامرة بحياة الناس. حماية لبنان تتطلب نزع هذه القدرة من يده، وتتطلب قيادة عسكرية تنفذ واجبها، وسلطة سياسية تحاسبها على النتائج. كل تأجيل يترك اللبنانيين أقرب إلى الكارثة التالية.

