عبد الله سليمان الطليان
إلى جنة الخلد يا أبا خالد، ليس من السهل أن نكتب عن رحيل صديق عزيز، ولا سيما حين تجمعنا به سنوات من الزمالة والمودة، ومواقف إنسانية تبقى راسخة في الذاكرة، مهما امتدت الأيام وتباعدت المسافات. وحين يرحل صديق عرفناه بطيب أخلاقه وابتسامته الدائمة، نشعر بأن جزءًا من ذكرياتنا الجميلة قد مضى معه، لكن أثره الطيب يظل حاضرًا في القلوب.
رحل صديقي العزيز سعود إبراهيم الخريف (أبو خالد)، وبقيت ذكراه حاضرة في نفسي، بما عُرف عنه من خلق رفيع، وابتسامة لا تفارق محياه، وروح مرحة تضفي على المجالس بهجة، وفكاهة لطيفة ترسم البسمة على وجوه من حوله، وكرم يعكس أصالة النفس وطيب المنبت.
لقد زاملت أبا خالد في مهنة التعليم، وهي مهنة لا تجمع أصحابها في ميدان العمل فحسب، بل تتيح لهم أن يتعرفوا إلى معادن الرجال، وأن يكتشفوا في زملائهم صفات إنسانية تبقى موضع تقدير واعتزاز. وقد كان أبو خالد، بما امتلكه من حسن الخلق وبشاشة الوجه وطيب المعشر، من أولئك الذين يتركون أثرًا جميلًا في نفوس من عرفوهم وعملوا معهم.
إن بعض الأشخاص لا يحتاجون إلى كثير من الحديث عن فضائلهم؛ فابتسامتهم ومواقفهم وطريقة تعاملهم مع الآخرين تكشف عن حقيقة معادنهم. وكان أبو خالد من أصحاب النفوس الطيبة، الذين يجمعون بين خفة الروح وكرم النفس، ويجعلون من حضورهم مناسبة للألفة والمودة.
ولعل من أبرز ما يستحق التوقف عنده في مسيرة صديقي الراحل، اهتمامه بتاريخ الخرج العريق، وحرصه على رصد محطاته وتوثيق أحداثه توثيقًا رصينًا. فالمدن لا تُعرف بمبانيها وشوارعها وحدها، وإنما بتاريخها ورجالها وذاكرتها الاجتماعية والثقافية، وبما تركه أبناؤها من أعمال تحفظ للأجيال القادمة صلتها بالماضي.
لقد أدرك أبو خالد أهمية التاريخ المحلي، وأن توثيق الذاكرة ليس مجرد جمع للأحداث والروايات، بل هو حفظ لهوية المكان، وصون لتجارب رجاله، وإبقاء لشواهد الماضي حاضرة في وعي الحاضر والمستقبل.
ولن تنسى الخرج أبا خالد، ولن تنسى جهوده في رصد تاريخها العريق وتوثيقه؛ فالأعمال الصادقة تبقى شاهدة على أصحابها، والكلمة الموثقة قد تعيش بعد رحيل كاتبها سنوات طويلة، لتصل إلى أجيال لم تعاصره، لكنها تتعرف من خلالها إلى تاريخ مدينتها وإلى جهود من أحبوا هذا التاريخ وسعوا إلى حفظه.
وإذا كان الموت يأخذ الأحبة من بيننا، فإنه لا يستطيع أن ينتزع من قلوبنا ذكرياتهم، ولا أن يمحو آثارهم الطيبة. يبقى الصديق في مواقفه، وفي ضحكته التي نستعيدها، وفي كلماته التي لا تزال تتردد في الذاكرة، وفي كل مناسبة يمر فيها اسمه فنشعر بمرارة الفقد وصدق الحنين.
رحمك الله يا أبا خالد، يا زميل المهنة وصديق الذكريات، يا صاحب الابتسامة الدائمة والفكاهة المحببة والكرم الأصيل. نسأل الله أن يجعل ما قدمته من جهد في خدمة تاريخ الخرج في ميزان حسناتك، وأن يجزيك خير الجزاء عما بذلت من وقت وجهد في سبيل حفظ تاريخها وذاكرتها.
عزاؤنا أنك تركت أثرًا طيبًا، وأن لك في القلوب محبة لا تنتهي برحيلك، وذكرى ستظل حاضرة ما بقي للوفاء مكان في النفوس.
إلى جنة الخلد يا أبا خالد،
غفر الله لك ورحمك، ووسع مدخلك، وأنار قبرك، وجعل مثواك الفردوس الأعلى من الجنة، وجمعنا بك في مستقر رحمته، وألهم أهلك وذويك ومحبيك الصبر والسلوان.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

