الديمقراطية ليست مجرد انتخابات تُجرى كل بضع سنوات، بل هي نظام يضمن أن يكون للشعب صوت حقيقي في إدارة شؤونه، وأن تُتخذ القرارات باسم المواطنين ولصالحهم. وتكتمل حين تُصان الحريات، وتُحترم الحقوق، ويخضع المسؤولون للمساءلة، لا أن يكونوا فوق النقد أو المحاسبة.
وترتبط حرية الصحافة بالديمقراطية ارتباطًا وثيقًا، فكلما كانت الصحافة مستقلة وقادرة على نقل الوقائع وطرح الأسئلة، امتلك المواطنون معلومات تساعدهم على فهم ما يجري وتقييم أداء ممثليهم. والصحافة الحرة لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تراقب السلطة، وتكشف مواطن الخلل، وتنقل هموم الناس إلى أصحاب القرار.
وتؤثر حرية الصحافة في أداء المسؤولين لأنها تجعل قراراتهم وأعمالهم عرضةً للفحص والنقاش العام. فعندما يعلم المسؤول أن الصحافة والمواطنين يستطيعون مساءلته وكشف التقصير، تزداد أهمية الشفافية، ويصبح الحرص على خدمة الناس والالتزام بالقانون أكثر إلحاحًا.
أما حين يغيب النقد، فقد تضعف المساءلة، وتستمر الأخطاء من دون مراجعة، ويُحرم المجتمع من فرصة تصحيحها قبل أن تتفاقم.
لكن حين تصبح الصحافة تابعة للدولة، وينحصر دورها في تلميع الحاكم والتطبيل له، وعدم انتقاد أخطاء رئيس الحكومة والوزارات ومؤسسات الدولة بفرعيها، فإنها تفقد وظيفتها الأساسية.
وعندما تؤيد كل قرار، سواء أكان صائبًا أم خاطئًا، فإنها تتحول من مرآة للمجتمع إلى أداة لحجب مشكلاته وتجميل الواقع. ويُهمَّش صوت المواطن، ويُقدَّم الاعتراض المشروع كأنه تهديد بدل أن يُعامل بوصفه حقًا وفرصةً لتصحيح الخطأ.
وتتعرض المسيرة الديمقراطية لضرر بالغ حين تأتي المجالس النيابية بالتزوير أو بشراء الأصوات، فهذه الممارسات تفرغ الانتخابات من معناها، وتحرم الناس حقهم في اختيار ممثليهم، وتفتح الطريق أمام وصول أشخاص لا يستندون إلى تفويض شعبي حقيقي. كما تهز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة المختلفة، لا بالمجالس المنتخبة وحدها. فعندما يشك الناس في نزاهة الانتخابات والجهات المشرفة عليها، قد تتراجع ثقتهم بالقانون والجهات الرقابية وسائر المؤسسات التي يُفترض أن تحمي حقوقهم وتنفذ إرادتهم. ويضعف استعدادهم للمشاركة، إذ يشعرون بأن أصواتهم لا تغيّر شيئًا، وأن المؤسسات لا تمثلهم. ومع تراكم هذا الشعور، تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتصبح مؤسسات الدولة أكثر هشاشة، ويغدو النظام متهالكًا وعاجزًا عن كسب ثقة المواطنين أو معالجة مشكلاتهم.
ويزداد هذا الأثر خطورة حين يُستخدم قانون الجرائم الإلكترونية، أو تُصاغ مواده بعبارات فضفاضة، بطريقة تجعل المواطنين والصحفيين يخشون التعبير عن آرائهم. فإذا تحول القانون إلى سيف مسلط على الرقاب يردع الناس عن مناقشة قرارات الحكم أو انتقاد السياسات الحكومية والمسؤولين، فإنه يضيّق المجال العام ويمنع كشف الأخطاء. فالقانون العادل يحمي الحقوق وينظم المسؤولية، ولا ينبغي أن يصبح وسيلة لإسكات النقد السلمي أو معاقبة الرأي المخالف.
وينعكس غياب الحرية والتمثيل الحقيقي مباشرةً على حياة المواطن: مشكلات لا تُناقش بوضوح، وخدمات لا تتحسن، وقرارات تمسّ معيشته ومستقبله من دون مساحة كافية لفهمها أو الاعتراض عليها. وحين لا تستطيع الصحافة نقل معاناته، ولا يستطيع ممثلوه مساءلة الحكومة بصدق، ولا يجرؤ هو على التعبير، يصبح تصحيح المسار أصعب.
إن الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى مؤسسات تمثل الشعب بصدق، وانتخابات نزيهة، وصحافة مستقلة، وقوانين تحمي حرية التعبير، ومواطنين قادرين على المشاركة والمساءلة.
فحرية الصحافة ليست عدوًا للدولة، بل وسيلة تساعدها على رؤية أخطائها وتصحيحها.
وأقصد أن الدولة القوية ليست التي تمنع النقد، بل التي تسمعه وتستفيد منه، فحين يُمنح الشعب صوتًا حقيقيًا، تصبح القرارات أقرب إلى حاجاته، وتكون مؤسسات الدولة أقدر على كسب ثقته وصون استقرارها، وتصبح عندها الثقة بالحكومة ومجلس الوزراء ومجلس الأمة حقيقة لا مسرحية.


