: آخر تحديث

مدن الفسيفساء القديمة

4
4
2

حين نتحدث عن مدن الفسيفساء القديمة، فطبيعي أن نبدأ من أكبرها وأشهرها وأقدمها وأجملها وأغناها ــ أو كانت ــ وهي بلا شك الإسكندرية. نعم، الإسكندرية التي كانت منارة الكوكب كله في العلم والثقافة والفن والتنوع ــ أو كانت ــ، الإسكندرية باكورة علامات المقدوني العظيم على الكوكب ــ أو كانت ــ. وعندما نقول أو كانت تخرج العبارة ممزوجة بالمرارة والألم، حيث كانت المدينة "الكوزموبوليتان" عامرة بكل الأجناس، مصريين وأروام ويونانيين ومقدون وأرمن وسلاف ويهود وأمازيغ. استثنينا العرب، حيث لا يوجد أي توثيق لحضور عرب إلا بعد القرن السادس، وطبقًا للتخطيط العبقري كان لكل طائفة حيزها العمراني الجغرافي الاجتماعي طبقًا للمخطط الإنشائي الأول، لكن بأي حال لم تكن جيتوهات انعزال، بل كانت تقسيمات سكنية لأطياف متماثلة في العرق والثقافة والاجتماع. 

وأصبح للإسكندرية هوية وصلت لمرتبة الجنسية، ففي أحد أسفار العهد الجديد من الكتاب المقدس الذي دُوّن في منتصف القرن الأول عبارة تتحدث عن أحد الأشخاص باعتباره "سكندري الجنس". وعدا انتفاضات اليهود السياسية في القرن الأول ضد الإمبراطورية الرومانية الحاكمة بسبب عداوات سياسية تاريخية وليست دينية، لم يكن هناك صراعات عنيفة عدا بعض التوترات المذهبية التي نشأت بين الدولة البيزنطية والأقباط مع انتشار المسيحية التي كانت الإسكندرية هي نقطة انطلاقها إلى كل أفريقيا. ومع الفارق، كان لمدن أخرى في المنطقة طابع الإسكندرية في التعايش الآمن وتعدد الأجناس والثقافات، وخصوصًا المدن التي تحتل المواقع الاستراتيجية الرابطة بين الطرق التجارية المهمة بين القارات، وخصوصًا المدن على ساحل المتوسط وشمال أفريقيا، قرطاج على سبيل المثال. 

وأظن أن الأحوال في هذه المناطق ظلت مستقرة إلى حد ما حتى في ظل صراع الإمبراطوريات الرومانية والفارسية، نظرًا لأهمية استمرار النشاط الاقتصادي لكل الأطراف، لكن مع حلول منتصف القرن السابع، وهو تاريخ دخول العرب المنطقة، استجدّ عنصر جديد لم يكن فاعلًا، أو بالأحرى لم يكن عاملًا مؤثرًا في الأحداث حينها. هذا العامل هو الدين، حيث استغله العرب كأداة حكم وإدارة وأداة حرب في نفس الوقت، وهي عوامل لم تكن مستخدمة من قبل، حيث كانت الحروب حتى القرون الأولى كل غاياتها الجغرافيا والنفوذ، ولم تكن العقائد طرفًا في المعادلة على الإطلاق. ولم يكن سكان الإسكندرية على وجه الخصوص من كل الأعراق ــ عدا المصريين بالطبع ــ يعتبرون أن إقامتهم مؤقتة، ودليلنا هو الأنشطة الاقتصادية التي كان طابعها الاستدامة، لكن التحولات الدراماتيكية بعد انسحاب الدولة البيزنطية ودخول العرب وسحب أهمية الإسكندرية بإنشاء عاصمة جديدة للإقليم، وبدء التوترات الدينية بين العرب واليهود والروم والأقباط، حيث انتشرت المسيحية انتشارًا كثيفًا، كل هذه العوامل أشاعت قلقًا مستترًا بين كل الأعراق، بمن فيهم المصريون، مع بدء تراجع الدور السياسي والتأثير الثقافي للمدينة، إلا أن الدور الاقتصادي ظل منتعشًا، حيث لم يكن هناك بديل لدور الإسكندرية كمحطة تبادل تجاري مهمة للحكم الجديد، وأظنها ظلت تقاوم حتى بداية القرن الثامن عشر أو بعده بقليل.

نكتفي بهذا القدر من اجترار المجد الماضي لهذه المنارة العريقة وهذه الفنارة المضيئة، ونبحث اليوم في الواقع الحاضر، حيث امّحت كل العلامات الكوزموبوليتانية التي ميزت هذه البقعة طيلة خمسة عشر قرنًا، وغادرها تقريبًا، رضًا أو قسرًا، كل تشكيلها الفسيفسائي، وإن ظل بعض تأثيرهم وبعض أثرهم صامدًا ومحفورًا على جدران المدينة العريقة حتى اليوم.

ولم يعد هذا النموذج الراقي الفريد قابلًا للتطبيق، فالأعراق تشظت إلى قبائل، والديانات تشظت إلى مذاهب، والمجتمعات تشظت إلى طبقات، والثقافة أصابها الجهل والبداوة، وهو الحال اليوم في مدينة الفسيفساء القديمة، عروس المتوسط.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.