: آخر تحديث

الصراع على شرق البحر المتوسط: من الطاقة والأمن إلى خطر المواجهة البحرية

5
5
3

تعيد المصادقة على الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا إلى صدارة المشهد الصراع على النفوذ في شرق البحر المتوسط. وبالنسبة إلى إسرائيل، تتجاوز هذه القضية حدود الخرائط البحرية، لتطال الأمن القومي والتحالفات الإقليمية ومستقبل البنية التحتية للطاقة.

يشكل قرار مجلس النواب الليبي، الذي اتُّخذ في 20 تشرين الأول (أكتوبر)، بالمصادقة على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة طرابلس عام 2019، تطورًا ذا دلالة استراتيجية. وقد أدانت إسرائيل القرار، معتبرة أنه يمس بالحقوق السيادية لحلفائها في المنطقة، أي اليونان وقبرص، ويقوض الاستقرار في شرق البحر المتوسط. ويكمن جوهر الخلاف في تحديد حدود المناطق الاقتصادية الخالصة، التي تمنح الدول حقوقًا في استغلال الموارد الطبيعية، بما فيها الغاز والنفط، إلى جانب حقوق اقتصادية معينة في البحر.

وترسم الاتفاقية التركية الليبية حدودًا بحرية تتجاهل، وفقًا لليونان، الحقوق البحرية الناشئة عن الجزر اليونانية، وفي مقدمتها جزيرة كريت. وترى أثينا أن الاتفاقية تتعارض مع القانون الدولي، في حين تقدمها أنقرة باعتبارها تسوية عادلة تهدف إلى حماية حقوقها وحقوق ليبيا. ومن المهم التأكيد أن الوضع القانوني للاتفاق لا يزال موضع خلاف، ولم يُحسم بحكم صادر عن محكمة دولية.

التحالفات البحرية والصراع على موارد الطاقة

إن الخطوة التركية لا تأتي بمعزل عن بقية التطورات. فقد وقعت اليونان ومصر عام 2020 اتفاقية لترسيم جزء من المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، اعتُبرت أيضًا ردًا على التحرك التركي الليبي. ووقعت قبرص اتفاقيات بحرية مع مصر وإسرائيل، فيما أثبت اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان عام 2022 أنه حتى الدول التي تعيش في حالة من المواجهة السياسية تستطيع التوصل إلى تسويات عن طريق المفاوضات والوساطة الأميركية.

ويُعد الغاز الطبيعي المورد الأساسي الذي يغذي هذا الصراع، لكنه ليس المورد الوحيد. فالمناطق البحرية مهمة أيضًا لطرق التجارة وكابلات الاتصالات والبنية التحتية للكهرباء. ويهدف منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يضم دولًا من بينها إسرائيل ومصر واليونان وقبرص، إلى تعزيز التعاون في مجال الطاقة، ويوفر نموذجًا بديلًا يقوم على المصالح المشتركة بدلًا من الاقتصار على التنافس.

وبالنسبة إلى إسرائيل، تشكل علاقاتها مع اليونان وقبرص رصيدًا استراتيجيًا في المجالين الأمني والطاقة. ومن أبرز الاختبارات في هذا السياق مشروع كابل الكهرباء البحري الكبير، الذي يهدف إلى ربط اليونان وقبرص، ثم إسرائيل لاحقًا، بشبكة الكهرباء الأوروبية. ويواجه المشروع، الذي تقدر تكلفته بنحو 1.9 مليار يورو، تأخيرات بسبب الخلاف البحري مع تركيا.

المخاطر والفرص أمام إسرائيل

يتمثل الخطر المباشر في احتمال التصعيد نتيجة احتكاك بين سفن حربية أو سفن أبحاث أو سفن تجري مسوحات لقاع البحر. وقد يتطور مثل هذا الحادث إلى أزمة بين تركيا واليونان، وهما عضوان في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بما قد يؤدي إلى انخراط دول أخرى. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تؤدي حالة عدم اليقين القانوني والسياسي إلى تأخير الاستثمارات في قطاع الغاز، وتعقيد إقامة البنية التحتية، وتحويل المشروعات الاقتصادية إلى أدوات للضغط السياسي.

ومن المنظور الإسرائيلي، لا ينبغي أن تقتصر الاستجابة المناسبة على تعزيز التحالف مع اليونان وقبرص. بل يجب أن تجمع بين التنسيق الأمني، وحماية البنية التحتية البحرية، ودفع الاتفاقيات الاقتصادية قدمًا، والاستفادة من القنوات الدبلوماسية للحد من مخاطر الاحتكاك. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أهمية تركيا باعتبارها قوة إقليمية تمتلك قدرات عسكرية ونفوذًا في ليبيا وشرق البحر المتوسط.

وهنا تحديدًا تكمن الفرصة أيضًا: إن تطوير آليات متفق عليها لترسيم المناطق البحرية، والاستعانة بالوساطة الدولية، وتعزيز التعاون في مجال الطاقة، يمكن أن يحوّل البحر من بؤرة للصراع إلى ساحة للمصالح المشتركة.

الخلاصة الاستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل واضحة: في شرق البحر المتوسط، تشكل القوة العسكرية والتحالفات شرطًا لحماية المصالح الوطنية، لكنها لا تغني عن التسويات القانونية والدبلوماسية. ويتمثل الاختبار في حماية حرية العمل الإسرائيلية والشراكات الإقليمية، من دون الانجرار إلى مواجهة بحرية واسعة قد تضر بالأمن والاقتصاد والاستقرار الإقليمي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.