سارا القرني
تأمل صورة جماعية في مناسبة عائلية. قبل أن تلتقط الكاميرا وجوه الحاضرين، ستلتقط استعداداتهم للظهور: ابتسامة تُجرَّب، كتف يُعدَّل، هاتف يُخفى، وملامح تبحث عن زاويتها الأفضل. تنتهي المناسبة، لكن الصورة تواصل حياتها. تُنشر وتُراقَب وتُحصى الإعجابات، وكأن ما جرى لم يكن لقاءً بين بشر، بل اختبارًا ناجحًا للظهور.
لسنا ضد الصورة الجميلة، ولا ضد رغبة الإنسان في أن يترك أثرًا حسنًا. غير أن هناك فارقًا مؤلمًا بين أن تهتم بمظهرك، وأن تسلّم حياتك كلها إلى مظهرها. الأول ذوق، والثاني استنزاف طويل لا يُرى.
بعض الناس لا يكذبون على الآخرين كذبة واحدة كبيرة؛ بل يوزعون حياتهم على أكاذيب صغيرة، كل واحدة تبدو بريئة. يبالغون في سعادتهم، يخفون هشاشتهم، يقتبسون آراء لم يفكروا فيها، ويستعيرون عبارات لا تشبه لغتهم. وبعد أعوام من هذا التمثيل المتقن، يفاجَأ الواحد منهم بأنه لا يعرف ماذا يحب إذا لم يكن هناك من يصفق له.
الأسوأ أن الجمهور لا يطلب الحقيقة دائمًا. إنه يكافئ النسخة الأكثر لمعانًا، ثم يعاقب صاحبها إذا انكشف التعب خلفها. نطالب الناس بأن يكونوا طبيعيين، لكننا نسخر من التجاعيد، ومن التعثر، ومن البيت غير المرتب، ومن النجاح المتواضع. هكذا نصنع المسرح بأيدينا، ثم نتساءل لماذا صار الجميع ممثلين.
وللأقنعة ثمن لا يظهر في الصور. من اعتاد أن يبدو قويًا قد يعجز عن طلب المساعدة. ومن بنى صورته على الثراء قد يخشى الاعتراف بضيق الحال. ومن أقنع الآخرين بأنه سعيد دائمًا، ربما فقد الحق في أن يقول ببساطة: أنا متعب. تتحول السمعة من حصيلة حياة إلى وظيفة يومية، ويصبح صاحبها موظفًا لدى توقعات الناس بلا راتب ولا إجازة.
ليس كل صامت عميقًا، ولا كل مشهور ناجحًا، ولا كل من يتحدث بثقة يعرف ما يقول. لقد منحتنا المنصات قدرة واسعة على تقديم أنفسنا، لكنها لم تمنحنا بالضرورة قدرة مماثلة على فهمها. نرى الواجهة ونظن أننا رأينا البيت، ونقرأ التعليق ونحسب أننا عرفنا صاحبه. ثم نصدر أحكامًا قاطعة على حيوات لم ندخلها.
ما الذي يبقى من الإنسان إذا نزعت عنه صورته العامة؟ سؤال قاسٍ، لكنه ضروري. هل يبقى رأي يستطيع الدفاع عنه؟ علاقة لا تحتاج إلى إعلان؟ عمل يحترمه حتى لو لم يره أحد؟ اعتذار صادق لا تصاحبه كاميرا؟ أم يبقى فراغ هائل يحتاج في كل صباح إلى منشور جديد كي لا ينكشف؟
لا يحتاج المرء إلى أن يهدم صورته أمام الناس ليثبت صدقه، ولا إلى أن يعلن أسراره كي يبدو حقيقيًا. الخصوصية حق، والتجمّل ليس جريمة. المطلوب فقط ألا يصبح الخارج سيد الداخل، وألا نشتري إعجاب الغرباء بخسارة احترامنا لأنفسنا.
أخطر ما في القناع أنه لا يبقى على الوجه وحده. مع الوقت يتسلل إلى الصوت والقرار والذاكرة، حتى يتردد صاحبه قبل أن يختار شيئًا بسيطًا: أهذا ما أريده فعلًا، أم ما سيبدو جميلًا إذا رآه الآخرون؟
ولذلك قد لا تكون الشجاعة اليوم في أن تكشف كل شيء، بل في أن تحتفظ بشيء لا يحتاج إلى تصفيق. أن تعيش لحظة كاملة من دون تصويرها، وأن تقول رأيًا بعد أن تفكر فيه، وأن تقبل نقصك من دون أن تحوله إلى عرض.
فالوجه الذي نصنعه لإرضاء الجميع قد ينجح في كسب الجمهور، لكنه قادر أيضًا على ابتلاع صاحبه. وعندئذٍ لن تكون الخسارة أن الناس لم يعرفونا على حقيقتنا؛ بل أننا نحن أنفسنا لم نعد نعرفها.

