: آخر تحديث

الوعي: الاسم الذي صدّقناه

5
6
3

لديّ شك قديم في كلمة (الوعي)، ليس في أننا نرى ونسمع ونتذكر ونخاف ونحب ونشعر بالألم، فهذه تجارب لا تحتاج إلى برهان، شكي في شيء آخر تمامًا: هل يوجد فعلًا شيء مستقل داخل الإنسان اسمه الوعي، أم أننا اخترعنا الاسم ثم صدقنا أن وراء الاسم كيانًا؟

الإنسان بارع في تسمية الأشياء، وهذه إحدى أعظم قدراته، لكنها أحيانًا توقعه في فخ غريب: نمنح ظاهرة معقدة اسمًا، ثم نبدأ بالتعامل مع الاسم وكأنه تفسير للظاهرة، نقول: أنا واعٍ!

حسنًا، ولكن ماذا يعني ذلك؟

حين أرى شجرة، لا تدخل الشجرة إلى رأسي. الضوء المنعكس عنها يصل إلى العين، ويتحول إلى إشارات عصبية، ثم تعالج شبكات الدماغ تلك المعلومات حتى تتشكل لديّ صورة الشجرة.

وحين أسمع صوتًا، لا يدخل (الصوت) كما أعرفه إلى الدماغ، تصل اهتزازات، تتحول بدورها إلى إشارات عصبية، ثم تحدث عمليات مذهلة التعقيد تجعلني أقول: سمعت.

والأمر نفسه مع الألم والذاكرة والخوف والفرح واتخاذ القرار، فأين يوجد الوعي وسط كل ذلك؟

لا أقصد: أين موقعه التشريحي؟ بل أسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا: لماذا نفترض أصلًا أن هناك شيئًا إضافيًا يجب أن يوجد؟

ربما وقعنا في خطأ لغوي تحول مع القرون إلى معضلة فلسفية، تخيل مدينة ضخمة في الليل. ملايين المصابيح والسيارات والبشر والإشارات والطرق تعمل في الوقت نفسه. ومن مجموع هذا النشاط نقول إن (المدينة مستيقظة)، لكننا لا نبحث عن غرفة سرية داخل البلدية يوجد فيها شيء اسمه (يقظة المدينة)!

اليقظة هنا وصف لحالة كلية، وليست كائنًا إضافيًا، فلماذا لا يكون الوعي كذلك؟

ربما يكون ما نسميه (الوعي) مجرد الاسم الذي أعطيناه للحالة الناتجة عن تفاعل هائل بين الإدراك والذاكرة والانتباه والإحساس والتوقع واللغة وآليات الدماغ الأخرى، وهنا يصبح الأمر أكثر إثارة عندما نصل إلى كلمة أخرى نستخدمها بثقة شديدة:

أنا، مَن هذه الـ(أنا)؟

نحن نشعر بوجود شخص ثابت في الداخل. شخص كان طفلًا ثم شابًا ثم كبر، لكنه ظل، بطريقة ما، الشخص نفسه. لكن جسدك تغير، وخلايا كثيرة تغيرت، وذكريات اختفت، وأفكار تبدلت، وشخصيتك نفسها ليست مطابقة لما كانت عليه قبل عشرين عامًا.

ومع ذلك تقول: أنا!

ربما تكون (الأنا) أيضًا واحدة من أعظم القصص التي يصنعها الدماغ، ليست كذبة بالمعنى البسيط، بل نموذجًا ضروريًا يجمع الذاكرة والجسد والخبرة في سردية واحدة متماسكة، حتى يستطيع هذا الكائن أن يعيش ويتصرف ويخطط للمستقبل.

والأغرب أننا ننسب إلى هذه (الأنا) قرارات قد تكون جذورها بدأت قبل أن ندركها. فأنت لا تختار الفكرة التالية التي ستقفز إلى رأسك. ولا تقرر أي ذكرى ستظهر فجأة أثناء السير. ولا تأمر قلبك كل ثانية أن ينبض، ولا تحدد بنفسك معظم العمليات التي تبقيك حيًا؟

حتى حين تقول: فكرت في شيء، يستحق السؤال أن يُطرح:

هل صنعت الفكرة فعلًا، أم أنك وجدتها قد ظهرت داخلك ثم أعلنت ملكيتك لها؟

هذا لا يعني أن العلم حل مشكلة الوعي. لم يفعل. ولا يعني أن التجربة الإنسانية وهم. الألم ليس وهمًا لمن يتألم، والحب ليس وهمًا لمن يحب.

المسألة أدق من ذلك، أنا أشك فقط في القفزة التي نمارسها من وجود التجربة إلى افتراض وجود (شيء) مستقل اسمه الوعي مسؤول عنها.

ربما لا يوجد خلف الستارة أحد. ربما الستارة والمسرح والممثل والجمهور كلها أجزاء من المنظومة نفسها.

لقد بحث الإنسان طويلًا عن الروح والعقل والذات والوعي، وربما كان يبحث عن كيان لا يمكن العثور عليه لأنه لم يكن كيانًا من البداية.

وكلما اكتشفنا آلية في الدماغ، بقي السؤال قائمًا: نعم، لكن أين الوعي؟

وربما يأتي يوم يصبح فيه الجواب:

في كل هذه العمليات معًا، ولا يوجد في أي واحدة منها منفردة.

عندها قد نكتشف أن أحد أعقد ألغاز الإنسان لم يكن فقط في عجزنا عن إيجاد الإجابة، بل في أننا منحنا الظاهرة اسمًا، ثم أمضينا قرونًا نبحث عن الشيء الذي يحمل ذلك الاسم. وربما يكون السؤال الذي سيبقى في النهاية أكثر غرابة:

إذا كان الدماغ هو الذي صنع مفهوم (الوعي) لكي يصف نفسه، فمن الذي كان يبحث عن مَن طوال هذا الوقت؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.