: آخر تحديث

هل بدأ العراق يقول لا لطهران؟

4
3
2

لعل أكثر ما يدعو إلى التأمل هو أن العراق، الذي يملك حدودًا طويلة مع إيران، ويرتبط معها بعلاقات اقتصادية وسياسية واجتماعية واسعة، ليس مضطرًا إلى الاختيار بين الخضوع لطهران ومعاداتها. فالعلاقات الطبيعية بين الدول لا تقوم على التبعية ولا على الخصومة الدائمة، وإنما على المصالح المتبادلة واحترام السيادة والقوانين والحدود.

ومن حق العراق أن يقيم أفضل العلاقات مع إيران، كما مع غيرها من دول الجوار، ولكن من حقه أيضًا، بل من واجبه، أن يمنع أي تدخل في شؤونه، وأن يحمي حدوده واقتصاده ومواطنيه، أيًا كانت الجهة التي تنتهك تلك الحقوق.

مناسبة هذا الكلام المبادرة المثيرة للاستغراب التي تحدث لأول مرة في العراق، والتي فاجأنا فيها مستشار رئيس الوزراء العراقي، عبد الأمير تعيبان، في حديث على قناة دجلة التي يملكها رئيس الوزراء علي الزيدي، ويديرها شقيقه حسن الزيدي، باتهام إيران بممارسة انتهاكات خطيرة بحق العراق.

ليس هذا خبرًا عاديًا، في دولة طالما اتُّهمت بخضوع مفاصلها السياسية والأمنية والاقتصادية للنفوذ الإيراني.

فحين يتحدث مستشار رئيس الوزراء عن تخريب الاقتصاد، وتهريب المخدرات، ودخول شخصيات إيرانية بصورة غير رسمية، وفوضى المنافذ الحدودية، وحوادث خطف يتعرض لها عراقيون داخل الأراضي الإيرانية، فإننا لا نكون أمام شكوى حدودية عابرة، بل أمام اتهامات سياسية وأمنية خطيرة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا.

والأهم من مضمون هذه التصريحات هو مصدرها وتوقيتها، وما إذا كانت تعبر عن موقف شخصي لمستشار حكومي، أم أنها رسالة سياسية محسوبة أرادت الحكومة العراقية إيصالها إلى طهران، من دون أن يتحمل رئيس الوزراء مسؤولية إعلانها بنفسه.

فمنذ عام 2003، لم تكن مشكلة العراق مع إيران مقتصرة على المنافذ الحدودية والتهريب والتجارة غير المشروعة، بل امتدت، وفق اتهامات متكررة من قوى عراقية مختلفة، إلى التدخل في تشكيل الحكومات، والتأثير في قرارات الدولة، ودعم جماعات مسلحة تملك من القوة والنفوذ ما يجعلها أحيانًا تتصرف خارج سلطة المؤسسات الرسمية.

ولهذا فإن الجديد في تصريحات المستشار ليس اكتشاف تلك المشكلات، فقد تحدث عنها العراقيون وكتبوا وحذروا منها طوال سنوات، وإنما أن يأتي الحديث هذه المرة من شخصية محسوبة على رأس السلطة التنفيذية.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاوزه: هل قرر رئيس الوزراء أن يقول لإيران، ولو بصوت مستشاره، إن زمن السكوت عن تجاوزات الحدود قد انتهى؟

أم أن الأمر مجرد محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، وإظهار الحكومة بمظهر المدافع عن السيادة الوطنية، من دون استعداد للدخول في مواجهة سياسية حقيقية مع طهران؟

والسؤال مشروع، لأن العراقيين سمعوا من قبل كثيرًا من التصريحات الرسمية عن السيادة، وهيبة الدولة، وحصر السلاح بيد الحكومة، وإنهاء التدخلات الخارجية، ثم لم يروا من تلك الوعود ما يكفي لتغيير الواقع.

ولكن ما يلفت الانتباه في هذه الواقعة أن الاتهامات طالت ملفات حساسة ظلت لسنوات من المحظورات السياسية التي يتردد كثير من المسؤولين في الاقتراب منها، خصوصًا عندما يكون الطرف المعني هو إيران.

فالحديث عن تهريب المخدرات ليس تفصيلًا أمنيًا صغيرًا، لأن المخدرات أصبحت من أخطر التحديات التي تهدد المجتمع العراقي. والحديث عن تخريب الاقتصاد وفوضى المنافذ الحدودية يفتح الباب أمام ملف أكبر، يتعلق بالفساد والتهريب والرسوم الجمركية المهدورة، والجهات التي تنتفع من ضعف الرقابة الحكومية.

أما الحديث عن دخول شخصيات إيرانية بصورة غير رسمية، وعن انتهاكات للسيادة العراقية، فإنه يطرح سؤالًا لا يقل خطورة: من الذي يسمح بذلك؟ ومن الذي يوفر الحماية للمتجاوزين؟ ولماذا عجزت الدولة، طوال هذه السنوات، عن فرض سيطرتها الكاملة على حدودها؟

وليس من الإنصاف أن نحمل الجانب الإيراني وحده مسؤولية كل ما يجري. فالتجاوز الخارجي لا يستمر بهذا الاتساع إلا حين يجد في الداخل من يسهل له الطريق، أو يتغاضى عنه، أو يستفيد منه. ولذلك فإن أي محاولة جادة لمعالجة هذه المشكلات ينبغي أن تبدأ بمحاسبة العراقيين المتورطين فيها، قبل الاكتفاء بمطالبة طهران بمحاسبة المتجاوزين من جانبها.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.

فهل تستطيع حكومة تقوم على تفاهمات وتحالفات سياسية تضم قوى وثيقة الصلة بإيران أن تتخذ إجراءات تمس مصالح جماعات نافذة، إذا ثبت تورطها في التهريب أو في تعطيل سيطرة الدولة على المنافذ الحدودية؟

وهل يستطيع رئيس الوزراء أن يمضي في هذا الطريق إذا واجه اعتراضًا من حلفائه قبل أن يواجه اعتراضًا من طهران نفسها؟

إن الدعوة إلى تعميم سيطرة أنظمة الرقابة والإدارة الإلكترونية الحديثة على جميع المنافذ الحدودية مع إيران خطوة مهمة من حيث المبدأ، ولكن الأجهزة الإلكترونية، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها منع التهريب إذا كانت هناك جهات قادرة على تعطيلها أو تجاوزها، أو فرض إرادتها على الموظفين المكلفين بتشغيلها.

فالحدود لا تحميها الكاميرات والحواسيب وحدها، بل تحميها دولة تملك قرارها، وأجهزة أمنية لا تخضع لسلطات موازية، وقضاء يستطيع محاسبة المخالفين، مهما كانت انتماءاتهم وعلاقاتهم السياسية.

ثم إن من الضروري التمييز بين اتهام مجموعات إيرانية منفلتة بممارسة انتهاكات حدودية، وبين اتهام الدولة الإيرانية نفسها بتدبير تلك الانتهاكات أو رعايتها. فالفارق بين الأمرين كبير، ولا يجوز تجاوزه من دون أدلة واضحة.

وإذا كانت الحكومة العراقية جادة في فتح هذا الملف، فإن المطلوب منها أن تعلن للرأي العام طبيعة الخروقات، والجهات المتورطة فيها، والإجراءات التي اتخذتها، والنتائج التي توصلت إليها، بدلاً من ترك القضية معلقة بين تصريحات مستشار وصمت المؤسسات الرسمية.

والعبرة، في النهاية، ليست بما قاله المستشار عبد الأمير تعيبان، وإنما بما سيفعله رئيس الوزراء علي الزيدي بعد هذه التصريحات.

فإذا تحولت الاتهامات إلى تحقيقات معلنة وإجراءات قانونية ورقابة فعلية على الحدود، أمكن الحديث عن بداية تغيير في طريقة تعامل بغداد مع هذا الملف.

أما إذا انتهى الأمر عند حدود المقابلة التلفزيونية، وعادت المنافذ إلى ما كانت عليه، واستمر التهريب والفوضى، فإن العراقيين سيكونون أمام فصل جديد من فصول الكلام عن السيادة، لا عن ممارستها.

ويبقى السؤال معلقًا بانتظار الجواب من بغداد، لا من طهران:

هل بدأت الدولة العراقية تقول لإيران "لا" حين تقتضي مصالح العراق ذلك، أم أن مستشار رئيس الوزراء قال ما لا تستطيع أن تفعله الحكومة؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.