: آخر تحديث

حلقة فرنسا الجهنمية

5
5
4

من السذاجة اختصار الأزمة الفرنسية العميقة في عنف بعض المهاجرين وقلة أدبهم. ذلك تبسيط لا يقبله عقل. ثمة في بلاد النور ما ينطفئ ويذوي. هذا ما يراه الزائر بأم عينه، ويشعر به من اعتاد مقاهي سان ميشال الأنيقة وهي تستبدل بباعة الخضار والملابس البخسة. من المحزن أن المكتبات التي كانت رموزاً أغلقت واحدةً بعد الأخرى في الحي الطلابي التاريخي، وحلّت ماركات التجميل وباعة الإكسسوارات والتذكارات. لم يكن متصوراً أن تُغَطى واجهات الميلاد الفخمة في الشانزليزيه، وديكوراتها الفنية البديعة، في عزّ موسم الأعياد، ببسطات لبيع الشراشف والقبعات الصوفية، وألعاب الأطفال البلاستيكية.

فقر الناس في فرنسا لم يعد مجرد أرقام تتداولها الصحف ومراكز الأبحاث، بل أصبح واقعاً تراه في تراجع أناقة المارّة، وفي ملامح ركاب المترو البائسة، وعلى لوائح المطاعم الشعبية.

قد لا يلاحظ الفرنسيون التغيرات البطيئة، لكنهم يشتكون من تراجع الخدمات الطبية، وإفلاس المتاجر، وسوء حال المدرسة الحكومية التي كانت باستمرار موضع فخر المواطنين واعتزازهم، والمكان الذي تتشكل فيه الهوية الوطنية والانتماء للجمهورية، وتنصهر القيم العليا.

هذه المدرسة هي التي يخرج تلامذتها اليوم غاضبين ومحبطين بسبب إهمال المباني وغياب الأساتذة، وانسداد آفاق المستقبل. ولولا أن المعاناة عارمة وممتدة، لما لحقت بهم النقابات، وتضامن معهم طلاب الجامعات، وساندهم الأهالي والمتقاعدون. الشباب يثورون نيابةً عن كثيرين سئموا مظاهرات لم يجنوا منها، على مدار العقود، سوى الخيبة.

لو لم يكن الأمر جللاً لما خرج ما يقارب مليون شخص إلى الشوارع احتجاجاً. وفي الوقت الذي كانت فيه السلطات تظن أن فترة العطلة المدرسية ستكون استراحة للمحاربين، تبين أن لا شيء يُنسي التلامذة معاناتهم، أو يلهيهم عن مطالبهم.

توظيف قلق الشباب وعذابات الأسر في خطابات انتخابية كالتي يسوقها اليمين المتطرف، وتبسيط المطالب، واعتبار عشرات آلاف المخربين الذين هاجموا أملاك الناس، مجرد مهاجرين حاقدين على الحضارة البيضاء، هو إيغال في نكران واقع يحتاج إلى مراجعة جذرية لإنقاذ فرنسا من حالة نكران طال أمدها.

فرنسا دولة غنية بل من أكبر اقتصادات العالم، وتصنيفها الائتماني لا يزال جيداً، لكنها غارقة في دين تاريخي، ونموها بات صفراً بالفعل، وعجز الميزانية كبير، بينما تفشل المحاولات في قلب المعادلة. فالديمقراطيات وهي تتزلف رضا الناخبين تبقى قاصرة عن اتخاذ إجراءات غير شعبية، وقد تكون انتحارية.

تحتاج فرنسا إلى رفع سن التقاعد، وقد أصبح عدد متقاعديها كبيراً بالنسبة إلى دافعي الضرائب. وثمة من يرى أن تخفيض المعاشات التقاعدية، كما أجور العاملين، من الضروريات المؤجلة. وبالتالي فإن التراجع الديموغرافي يدفع حتماً إلى استقبال المهاجرين الشباب الذين يريد المتطرفون اليمينيون اعتبارهم العبء الأكبر.

كل الحلول تحتاج إلى كسر دوائر عديدة مغلقة. من ذلك، فإن حالة الرخاء والخدمات الاجتماعية السخية والتعويضات الأسرية لا يمكن أن تدوم، مع ميزانيات تقشفية مقبلة، مما سيخلق المزيد من الاضطرابات.

فرنسا ليست مفلسة، لكنها عاجزة عن تمويل نموذج اجتماعي مدلل، لا تستطيع الاستمرار فيه ولا تملك شجاعة مواجهة مواطنيها بالتراجع عنه.

إنما في شتى الحالات، الوضع يتقهقر، و13 في المائة من الفرنسيين يقولون إنهم لا يحصلون على حاجتهم من الطعام، والوضع أسوأ بين الطلاب. عديد من هؤلاء بعد تسديد فواتير الإيجار والمواصلات، ورغم المطاعم الطلابية شبه المجانية، يضطرون إلى التخلي عن بعض الوجبات، لضيق ذات اليد، أو لصعوبة التنقل.

التقشف الاضطراري، لن يقتطع من حصص الأغنياء، وهذه مأساة في أماكن كثيرة من عالم بلا رحمة، بل سيكون على حساب فقراء الطلاب، وبسطاء الموظفين، ومرضى المتقاعدين.

المظاهرات مستمرة، ليس في فرنسا وحدها، بل في أنحاء أوروبا، حيث المشكلة عينها، بوجوه مختلفة. لكن ونحن نتحدث عن فرنسا، من المؤسف أن الحكومة تبدو كأنها تصرّف أعمال، والانتخابات لن تأتي قبل ستة أشهر، فيما الشارع يغلي، والمطالب تحتاج إلى المليارات السريعة والحاسمة، أما الخزائن ففارغة.

أضف إلى كل هذا زيادة مخصصات الإنفاق العسكري، مع تبخر مظلة «الناتو»، وإصرار فرنسا على أن الحرب مع روسيا آتية لا محالة، ولا بد من التسلح، وهي لا تملك ما يكفي من المال والشباب. إنها مسألة استنزاف ذاتي، بعد أن خسرت أوروبا الطاقة الروسية الرخيصة، وتتحمل عبء ارتفاع الأسعار، وغضب الأجيال.

«حرية، إخاء، مساواة» شعار الثورة الفرنسية الجميل، لا يزال الطلاب المحتجون يحملونه في قلوبهم، ويقولون إنهم درسوا مبادئ دفع الظلم وانتزاع الحقوق في المدرسة التي يطالبون اليوم بأن يستعيدوا أركانها كاملة ومهاراتها كما كانت، فهل هذا لا يزال ممكناً؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد