: آخر تحديث

مربعات الوهم

5
6
3

يبدو أن العالم العربي قرر أن يختصر قرنًا من التراجع، لا بالتقدم إلى الأمام، بل بالعودة إلى المربعات الأولى. كلما ظننا أننا تجاوزنا أزمة، اكتشفنا أننا عدنا إلى نقطة البداية، لكن بوجوه جديدة وشعارات قديمة، وكأن التاريخ العربي جهاز معطّل لا يعرف إلا زرّ الإعادة.

منذ سنوات، أعلن بعضهم وفاة العروبة، وراحوا يتعاملون معها كأنها جثة سياسية ينبغي دفنها بلا مراسم. لكن المفارقة أن كثيرًا ممن رفعوا راية الوداع لم يقدموا بديلًا وطنيًا جامعًا، بل استبدلوا الهوية العربية بهويات أصغر، تتنازع فيما بينها على ما تبقى من الوطن. وبعد احتلال العراق وسقوط نظامه، تصرف البعض وكأن العروبة كانت تختبئ في قصر الحكم، فلما سقط القصر سقطت معها الأمة!

وهكذا انتقلنا من سؤال: كيف نبني هوية تتسع للجميع؟ إلى سؤال أكثر عبثية: من نحن، ومن ليس منا، ومن يحق له أن يرفع العلم، ومن ينبغي أن يكتفي بمشاهدة الاحتفال؟ صارت الهوية بطاقة تفتيش، والوطن غرفة تحقيق، والمواطنة امتحانًا لا ينجح فيه أحد، إلا إذا أجاب وفق النموذج الحزبي المعتمد.

أما الوحدة العربية، فقد تحولت من حلم كبير إلى ذكرى نستدعيها في المناسبات، ثم نعود إلى تقسيم المقسّم وتفتيت المفتّت. والأطرف أن الذين أمضوا عقودًا في شتم اتفاقية سايكس–بيكو، باتوا يرون في حدودها القديمة قدرًا أقل سوءًا من خرائط الانقسام الطائفي والمذهبي التي تتكاثر في المنطقة.

لم تعد المشكلة في خطوط رسمها الاستعمار على الخرائط، بل في خطوط نحفرها نحن داخل المجتمع، ونحرسها بالخطب والفتاوى والاتهامات. لقد أصبح بعضنا يحنّ إلى التقسيم القديم، لا حبًا فيه، بل لأن الحاضر أقنعه بأن الأسوأ يمكن أن يجعل السيئ يبدو نعمة!

وهنا تبلغ الكوميديا ذروتها: أمة حلمت بإزالة الحدود، ثم عجزت عن إزالة الحواجز بين أبنائها، فصار المواطن يحتاج إلى تأشيرة غير معلنة كي يعبر من هويته إلى هوية جاره، فيما يتحدث السياسيون عن الوحدة من منصات محاطة بأسوار العزل.

أما الصراع العربي–الإسرائيلي، فيبدو كأنه مسلسل طويل فقد كاتبه القدرة على ابتكار نهاية. كلما لاح في الأفق حديث عن السلام، عادت القضية إلى أول السطر، وأحيانًا إلى أول الدم. وتتواصل الخلافات حول شروط التسوية، والاعتراف، والقدس، والهوية، بينما يدفع الفلسطينيون ثمن الصراع من حياتهم وأرضهم وحقهم في مستقبل آمن.

المفارقة أن السلام يُطرح أحيانًا كما لو أنه امتحان على الطرف الأضعف اجتيازه، فيما تبقى القضايا الجوهرية معلقة، ويُطلب من الضحايا أن يثبتوا حسن نياتهم مرة بعد أخرى. وهكذا تتحول عملية السلام إلى عملية انتظار، وتتحول المفاوضات إلى مهنة، ويصبح الوصول إلى خط النهاية أصعب من بدء السباق نفسه.

وراء هذه المربعات جميعًا تكمن أزمة أعمق: عقل سياسي يستهلك الماضي أكثر مما يصنع المستقبل. نعيد تدوير الشعارات، ونستحضر الخصومات، ونستبدل مشروعًا وطنيًا ببيان ناري، ثم نتساءل لماذا تتقدم الأمم بينما نظل ندور في المكان نفسه.

ليست المشكلة أن نراجع التاريخ أو نتمسك بالهوية أو ندافع عن الوحدة، بل أن نحول هذه المفاهيم إلى متاحف للصراخ، بدلًا من أن نجعلها أدوات لبناء الدولة وحماية الإنسان. فالأمة لا تتقدم بمجرد التغني بأمجادها، ولا تستعيد وحدتها بتبادل الاتهامات، ولا تحقق السلام بتكرار بيانات الشجب.

لقد أصبحنا بارعين في تفسير أسباب الفشل، إلى درجة أننا لم نعد نجد وقتًا للنجاح. نعرف من قسّمنا، ومن خذلنا، ومن سرق أحلامنا، لكننا لا نتفق على طريق للخروج من الدائرة. كل فريق يملك رواية كاملة عن الماضي، ولا يملك خطة مقنعة للغد.

المأساة أن العالم العربي لا يعاني نقصًا في الشعارات، بل فائضًا منها، ولا يعاني فقدان الذاكرة، بل إدمانها. فالتاريخ الذي لا نتعلم منه يتحول إلى سجن، والهوية التي لا تتسع للآخر تصبح جدارًا، والوحدة التي لا تحمي الإنسان تبقى قصيدة، والسلام الذي لا يعالج جذور الصراع يظل موعدًا مؤجلًا.

وبين هذه المربعات، يواصل المواطن العربي دفع الفاتورة، فيما يتبادل السياسيون مفاتيح الغرف المغلقة، ويعلنون في كل مرة أنهم اكتشفوا طريق المستقبل.

لكن المستقبل، كما يبدو، لم يتلقَّ الدعوة بعد، فالكل مشغول بإعادة ترتيب مقاعد الماضي!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف