: آخر تحديث

السويداء والحوار مع دمشق: من احتواء الأزمة إلى بناء الثقة

4
4
1

يمثل الحوار أداة أساسية لإدارة الأزمات التي تتجاوز الخلافات السياسية إلى مسألة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. وفي الحالة السورية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل مساعي السلطة الجديدة في دمشق لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتثبيت الاستقرار. وتبرز السويداء بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيدًا، بما يتطلب مقاربة تتجاوز المعالجة الأمنية نحو تسوية سياسية واجتماعية مستدامة.

منذ أحداث تموز (يوليو) 2025، عُقدت اجتماعات سورية أردنية أميركية لاحتواء الأزمة ومنع امتداد تداعياتها. وشهدت عمّان اجتماعين في 19 تموز (يوليو) و12 آب (أغسطس)، بمشاركة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك. وتُوّج المسار باجتماع ثلاثي في دمشق في 16 أيلول (سبتمبر)، أُعلنت خلاله خارطة طريق لمعالجة الأزمة وتحقيق الاستقرار في جنوب سوريا.

وتنطلق الخارطة من الحفاظ على وحدة الأراضي السورية والمساواة في الحقوق والواجبات، وتتضمن إجراءات تتعلق بالمساعدات الإنسانية، وعودة النازحين، واستعادة الخدمات، والمساءلة عن الانتهاكات، والمصالحة، والترتيبات الأمنية والإدارية. غير أن قيمتها لا تتوقف على بنودها، بل على تحويلها إلى خطوات قابلة للتنفيذ، وتوفير الإرادة السياسية والضمانات اللازمة لمنع تعطيلها.

وتوضح التطورات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام السابق أن إدارة الأزمات لا يمكن أن تقوم على مقاربة موحدة. فقد واجهت السلطة الجديدة تحديات أمنية واجتماعية في الساحل، قبل أن تتفاقم أزمة السويداء، في ظل تراجع الثقة وتعدد الأطراف وتباين التصورات بشأن شكل الدولة الجديدة وعلاقتها بالمجتمعات المحلية. لذلك، لا يكفي التعامل مع الأحداث بوصفها مواجهات أمنية منفصلة، بل ينبغي فهم أسبابها ومصادر المخاوف المحلية والجهات القادرة على التصعيد أو التهدئة.

ويمكن الاستفادة، دون استنساخ، من تجربة المفاوضات المتعلقة باندماج قوات سوريا الديمقراطية قسد في مؤسسات الدولة. فقد ارتبط هذا الملف بقوة عسكرية منظمة، وترتيبات أمنية وإدارية وسياسية معقدة، كما أظهر أهمية الوساطات الخارجية حين تتوافر لها قنوات اتصال مع الأطراف. لكن خصوصية السويداء تفرض مراعاة اختلاف ظروفها ومطالبها وموازين القوى فيها.

بناء الثقة وشروط الحوار

يمثل بناء الثقة المدخل الأساسي لمعالجة الأزمة، لكنه لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى الحوار، بل عبر إجراءات ملموسة ومتبادلة تثبت جدية الأطراف. فالمجتمعات التي شهدت مواجهات وانتهاكات وتهجيرًا تحتاج إلى ضمانات عملية تتعلق بالأمن والعدالة والحقوق. لذلك، ينبغي أن تسبق إجراءات بناء الثقة أي محاولة لفرض تسوية نهائية، وأن تشمل كشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وتيسير عودة النازحين، وتعويض المتضررين، واستعادة الخدمات الأساسية.

ويتطلب نجاح الحوار تحديد أطرافه وآليات إدارته قبل انطلاقه. ومن الضروري الاتفاق على جهة محايدة لتيسير المفاوضات، تحظى بقبول الأطراف وتتمتع بالقدرة على تنظيم النقاش وضبط الخلافات. كما ينبغي وضع جدول أعمال واضح، ومراحل محددة، وآلية لمتابعة التنفيذ، حتى لا يتحول الحوار إلى اجتماعات مفتوحة بلا نتائج قابلة للقياس.

ويجب أن تتناول الأجندة الترتيبات الأمنية في المحافظة، والجهة المسؤولة عن حفظ الأمن، وطبيعة القوات المكلفة بهذه المهمة، وآليات تشكيلها ومرجعيتها القانونية، ومدى تمثيلها للمجتمع المحلي. كما ينبغي بحث مستقبل الإدارة المحلية وآليات تشكيل مجلس المحافظة وانتخابه، بما يضمن مشاركة السكان ضمن إطار الدولة والقانون. ويُستحسن كذلك تحديد جدول زمني للتنفيذ، وتوزيع المسؤوليات، وإنشاء آلية متوافق عليها لرصد التقدم ومعالجة الخلافات.

البعد الإقليمي وآفاق التسوية

لا يمكن فصل أزمة السويداء عن محيطها الإقليمي. فالتدخلات الإسرائيلية في جنوب سوريا، وما يُثار بشأن دعم مجموعات محلية أو السعي إلى إنشاء موطئ قدم عسكري، تثير مخاوف بشأن السيادة السورية والاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الوقائع الموثقة والتقديرات التي تحتاج إلى تحقق، لأن بناء السياسات على معلومات غير مؤكدة قد يزيد الأزمة تعقيدًا. وقد نصت خارطة الطريق على العمل، بالتنسيق بين الولايات المتحدة وسوريا وبدعم أردني، لاستكشاف تفاهمات أمنية مع إسرائيل بشأن الجنوب، مع التأكيد على سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

إن استمرار التوتر في السويداء قد ينعكس على الجنوب السوري عمومًا، ويفتح المجال أمام مزيد من الاستقطاب والتدخلات الخارجية. لذلك، لا يكفي حوار شكلي لاحتواء الضغوط الآنية، بل يلزم مسار جاد يشخّص أسباب الأزمة، ويرتب الأولويات، ويحدد الالتزامات، ويضمن التنفيذ.

ومن هذا المنطلق، تمثل خارطة الطريق المعلنة في 16 أيلول (سبتمبر) 2025 أساسًا يمكن البناء عليه، شرط تحويلها إلى عملية سياسية ومجتمعية متدرجة توازن بين متطلبات الأمن وحقوق السكان، وبين وحدة الدولة وإشراك المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها. فالحوار ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لإنتاج تسوية قابلة للحياة، تعيد بناء الثقة بين السويداء ودمشق، وتفتح الطريق أمام استقرار مستدام يحفظ وحدة سوريا وحقوق أبنائها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.