: آخر تحديث

فضل شاكر وشباك الحياة من الرياض

6
6
4

في ليلة من ليالي موسم الرياض، عشت ليلة مع الفنان اللبناني فضل شاكر. ليلة لم تكن مجرد ساعات قضيتها أستمع إلى أغنيات أحببتها، وأستعيد معها شيئًا من الذاكرة، بل كانت تجربة جعلتني أتوقف طويلًا أمام مشهد آخر، ربما كان أكثر إثارة لدهشتي من الأغنيات نفسها، مشهد التحول الكبير الذي شهدته المملكة العربية السعودية، وكيف استطاعت في سنوات قليلة أن تعيد صياغة علاقتها بالترفيه والفن والحياة.

بعيدًا عن الأوقات الممتعة التي قضيتها مع أغاني فضل شاكر، كان ثمة شيء آخر يستوقفني. كانت الكاميرا تدور بين الحاضرين والحاضرات، تلتقط الوجوه، والابتسامات، والعيون التي تلمع مع كل أغنية، والأيدي التي ترتفع في الهواء، والأصوات التي تردد الكلمات وكأنها تستعيد حكايات شخصية خبأتها في مكان بعيد من الذاكرة. كنت أتأمل المشهد وأتساءل: يا إلهي، كيف حدث كل هذا؟ كيف تحولت الرياض إلى مساحة بهذا الاتساع من الفرح، وكيف أصبح بإمكان آلاف الأشخاص أن يجتمعوا في ليلة واحدة، تجمعهم الموسيقى، وتوحدهم أغنية، وتمنحهم لحظات من البهجة التي لا تحتاج إلى تفسير؟

كيف استطاع معالي المستشار تركي آل الشيخ أن يصنع هذه الطفرة الكبيرة في السعودية، وأن ينقل الترفيه من هامش الحياة العامة إلى أحد مشاهدها البارزة، وأن يجعل الرياض وجهة ينتظر الناس مواسمها، ويتابعون حفلاتها، ويخططون لأيامهم ولياليهم على إيقاع فعالياتها؟

لم تكن المسألة، في نظري، مجرد حفلات غنائية تُقام، أو فنانين عرب وعالميين يصعدون إلى المسارح، أو أضواء تتلألأ في سماء العاصمة. المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها حكاية مدينة تتغير، ومجتمع يكتشف مساحات جديدة من الحياة، وبلد يفتح نوافذ واسعة على العالم، من دون أن يتخلى عن خصوصيته أو هويته.

كنت أراقب الحضور، وأفكر في معنى أن تصبح الأمسية الفنية حدثًا ينتظره الناس بشغف، وأن تتحول الأغنية التي عرفناها في بيوتنا، وفي سياراتنا، وفي لحظات حبنا وانكساراتنا، إلى مساحة عامة يتشارك فيها آلاف الغرباء الشعور نفسه. الفن، في جوهره، يفعل ذلك، يجعلنا أقل وحدة، ويمنحنا فرصة لنلتقي عند نقطة مشتركة، حتى وإن اختلفت حكاياتنا وأعمارنا وتجاربنا.

كانت أغنيات فضل شاكر تتسلل إلى الذاكرة واحدة تلو الأخرى. لكل أغنية عمرها الخاص، ولكل لحن باب يفتح على زمن مضى، وعلى أشخاص ربما غادروا حياتنا، وعلى مشاعر ظننا أننا نسيناها، فإذا بها تنهض من مكانها بمجرد أن نسمع الكلمات الأولى. لكنني، في تلك الليلة، كنت أعيش متعة مزدوجة، متعة الإصغاء إلى صوت ارتبط في وجدان كثيرين بقصص الحب والحنين، ومتعة تأمل المكان الذي يحتضن هذا اللقاء الفني الكبير.

وهنا تحديدًا، وجدتني أفكر في حجم التحول الذي يمكن أن تصنعه الرؤية حين تتحول إلى عمل، وحين لا تبقى الأفكار مجرد شعارات معلقة، بل تصبح تجارب يلمسها الناس بأنفسهم. فصناعة الترفيه ليست أمرًا بسيطًا كما قد يظن البعض، إنها صناعة كاملة تحتاج إلى تخطيط واستثمار وتنظيم وتسويق، وإلى جرأة في اتخاذ القرار، وقدرة على استقطاب الأسماء، وبناء الفعاليات، وتحويل المدينة إلى وجهة حية لا تنام على روتينها المعتاد.

لقد أصبح موسم الرياض، بما يقدمه من حفلات وعروض وتجارب متنوعة، علامة بارزة في مشهد الترفيه السعودي، ونافذة يطل منها الجمهور على تجارب فنية وثقافية مختلفة. والأهم أنه فتح الباب أمام سؤال يستحق التأمل: ماذا يحدث للمجتمعات حين تتسع خيارات الحياة أمام أفرادها؟ حين يصبح الخروج إلى حفل موسيقي، أو حضور عرض مسرحي، أو زيارة فعالية ترفيهية، جزءًا طبيعيًا من تفاصيل الحياة اليومية؟

أعتقد أن التغيير الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الحفلات التي تُقام، ولا بعدد النجوم الذين يزورون البلاد، ولا بحجم المسارح التي تُشيَّد. يُقاس أيضًا بالمساحة التي تُمنح للناس كي يعيشوا تجارب جديدة، وبالذكريات التي يصنعونها، وبالفرص التي تنشأ حول هذه الصناعة، وبقدرة المدن على أن تمنح سكانها أسبابًا إضافية للفرح والانتماء إليها.

ولعل أجمل ما في تلك الليلة أنني لم أشعر بأنني أراقب حفلًا فنيًا فحسب، بل كنت أراقب جزءًا من تحوّل اجتماعي وثقافي أوسع. وجوه مختلفة، وأذواق متنوعة، وأجيال تجتمع في مكان واحد. لم تكن الكاميرا تبحث عن الفنان وحده، كانت تبحث عن الجمهور أيضًا، وكأنها تقول إن الحكاية لا تكتمل بمن يقف على المسرح، بل بمن جاء ليستمع، ويغني، ويضحك، ويعيش ليلته كما يحب.

أما تركي آل الشيخ، فقد ارتبط اسمه بهذا الحراك الترفيهي الواسع، وبالجهد الذي بُذل في استقطاب الفعاليات والأسماء الفنية وصناعة مواسم باتت تحظى باهتمام عربي ودولي. ومهما اختلفت الآراء حول تفاصيل التجربة، فإن حجم الحضور الذي بات الترفيه يشغله في المشهد السعودي يجعل من الصعب تجاهل التحول الذي حدث، أو التقليل من أثره في صورة الرياض ومكانتها بوصفها وجهة للفعاليات الكبرى.

لا أقول ذلك من باب المجاملة، ولا لأنني أريد أن أكتب مديحًا عابرًا ينتهي بانتهاء الحفل. إنما لأنني أؤمن بأن من حق التجارب الناجحة أن تُرى، وأن تُناقش، وأن يُعترف بما أحدثته من تغيير، مثلما أن من حقها أن تخضع للنقد والتطوير. فالتجارب الكبرى لا تنضج بالتصفيق وحده، بل بقدرتها على الاستمرار، وتوسيع أثرها، وتقديم محتوى متنوع يرضي أذواقًا مختلفة، ويمنح المواهب المحلية مكانًا مستحقًا إلى جانب الأسماء العالمية.

وفي نهاية تلك الليلة، حين خفتت الأضواء، وانتهت الأغنيات، وبدأ الحاضرون يغادرون المكان محملين بذكرياتهم، ظل سؤال واحد يرافقني: كم من الأشياء التي كانت تبدو بعيدة المنال أصبحت اليوم ممكنة؟ وكم من المدن تستطيع أن تعيد اكتشاف نفسها حين تتوافر الإرادة والرؤية والقدرة على التنفيذ؟

ربما كانت أجمل لحظة بالنسبة إليّ هي تلك التي توقفت فيها عن الاستماع إلى الأغنية، لأتأمل الوجوه من حولي. أدركت حينها أن الفن ليس ترفًا زائدًا عن حاجة الإنسان، وأن الفرح ليس تفصيلًا صغيرًا في حياة الشعوب. نحن نحتاج إلى ما يخفف عنا وطأة الأيام، وإلى لحظات نخرج فيها من أعباء الحياة ومسؤولياتها، لنستعيد قدرتنا على الدهشة، ونشعر بأن العالم ما زال يتسع لشيء من الجمال.

خرجت من تلك الليلة وأنا أحمل أغنيات فضل شاكر في ذاكرتي، لكنني حملت معها أيضًا صورة الرياض وهي تتغير، وتتسع، وتفتح أبوابها لتجارب جديدة. صورة جعلتني أفكر في أن التحولات الكبرى لا تُرى دائمًا من خلال الأرقام والتقارير، أحيانًا نراها في عين امرأة تبتسم، أو في شاب يردد أغنية بحماس، أو في عائلة تصنع ذكرى ستظل تحكيها طويلًا.

فشكرًا لكل جهد يجعل الفرح أقرب إلى الناس، ويمنح المدن حياة جديدة، ويجعلنا نعيد النظر في ما كنا نظنه مستحيلًا.

أما فضل شاكر، فقد منحني في تلك الليلة متعة الأغنية وحنين الذاكرة، ومنحني موسم الرياض فرصة أخرى لأتأمل كيف يمكن للفن أن يكون أكثر من صوت جميل فوق مسرح، يمكن أن يكون مرآة لتحول مجتمع، وعلامة على زمن جديد، ودليلًا على أن بعض الليالي لا تنتهي حين يغادرها أصحابها، بل تبدأ حكايتها الحقيقية عندما نعود منها ونفكر فيما رأيناه وعشناه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.