«الصديق الوفي أشد ثباتًا من الحصون، والثقة به أثمن من جميع كنوز طروادة».
— هوميروس، الإلياذة، الكتاب التاسع
لقد واجهت العلاقات الأميركية اليونانية عواصف أشد بكثير من النهاية المبكرة لمهمة سفير أميركي، وسط اتهامات بسوء السلوك أو فقدان الثقة. فمن التحولات السياسية اليونانية نحو اليسار، مرورًا بعقود من العنف اليساري الراديكالي، بما في ذلك اغتيال رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ريتشارد ويلش، عام 1975، ومقتل ملحقين بحريين أميركيين، والمحاولات المتكررة لاستهداف دبلوماسيين وعسكريين أميركيين آخرين، وصولًا إلى الهجوم بقذيفة صاروخية على السفارة الأميركية، ثم حالة عدم اليقين التي رافقت حكومة رئيس الوزراء اليساري أليكسيس تسيبراس، صمدت هذه العلاقة أمام جميع تلك الاختبارات. وفي السراء والضراء، بقي التحالف قائمًا.
إن الروابط التاريخية التي تجمع أميركا باليونان أعمق من أن تختزلها أزمة دبلوماسية عابرة. فجذورها تمتد إلى الإرث الذي قدمته اليونان للعالم، وفي مقدمته الديمقراطية، والقيم المؤسسة للحضارة الغربية، من العقل والحرية الفردية وسيادة القانون إلى الفضيلة المدنية. وقد استلهم الآباء المؤسسون للولايات المتحدة هذه المبادئ في صياغة رؤيتهم للأمة الأميركية.
وفي تأكيد حديث لهذه الروابط، أعاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التشديد على تلك القيم في خطاب ألقاه في موقع «بنيكس» التاريخي بأثينا، حيث كانت تنعقد الجمعية الديمقراطية في اليونان القديمة. ومن موقعه المطل على الأكروبوليس، ربط روبيو بين قيم البطولة والشرف والواجب، وبين ضرورة الولاء الوطني والدفاع عن الحضارة الغربية، في عصر تتعرض فيه هذه المبادئ لتآكل متزايد.
واليوم، لم تعد تلك الروابط مجرد إرث تاريخي أو ذكريات حضارية مشتركة. فعلى تخوم العالم الغربي، وفي وقت تتعرض فيه قيمه التأسيسية لضغوط ناجمة عن أطماع دول الجوار، وأخرى تنبع من الداخل بفعل عودة اليسار الراديكالي وتصاعد الهجرة غير المنضبطة، كما يتجلى في مدن تمتد من باريس إلى بروكسل، باتت المصالح السياسية والاقتصادية والطاقوية والعسكرية للولايات المتحدة واليونان أكثر تقاربًا من أي وقت مضى في التاريخ الحديث.
ولا تزال الجغرافيا عاملًا حاسمًا، لكن في عصر الأسلحة المتطورة والقدرة على التحرك السريع، أصبحت الموثوقية والثقة المتبادلة والقيم التأسيسية المشتركة أشد أهمية من الموقع الجغرافي وحده. واليونان تقدم هذه المقومات الثلاثة مجتمعة.
كان الرئيس الأميركي رونالد ريغان قد حذّر ذات يوم من أن الحرية لا يفصلها عن الزوال سوى جيل واحد، فهي ليست ميراثًا ينتقل تلقائيًا من جيل إلى آخر، بل قيمة ينبغي لكل جيل أن يناضل من أجلها ويدافع عنها. ولم يفقد ذلك التحذير شيئًا من راهنيته منذ أطلقه ريغان، بل ازدادت التحديات تعقيدًا وتشابكًا.
فقد تنازلت الدول الأوروبية جزئيًا عن سيادتها لصالح هيئات فوق وطنية، مثل المفوضية الأوروبية، التي كثيرًا ما تتصرف، في نظر منتقديها، بعيدًا عن المساءلة، وتتعامل باستخفاف مع المصالح الوطنية للدول الأعضاء، سواء في سياسات الطاقة أو الاستراتيجيات الاقتصادية أو الهجرة أو حرية التعبير. وتضع هذه الضغوط قدرة الدول الديمقراطية ذات السيادة على الصمود أمام اختبارات حقيقية.
وفي مواجهة هذه التحديات، أثبتت اليونان أنها تمتلك المصداقية والإرادة السياسية اللازمتين لوضع مصالحها الوطنية في المقام الأول، مقدمة بذلك نموذجًا يمكن أن يرشد أوروبا نحو مسار أكثر استدامة.
فقد بدأت أثينا تتصدى للهجرة غير الشرعية بحزم يفوق ما تبديه دول أوروبية مجاورة. ودافعت عن سيادتها في مواجهة المطالب التوسعية التركية في بحر إيجه، مستندة إلى الدبلوماسية والشراكات الاستراتيجية التي تتجاوز أطر الاتحاد الأوروبي.
كذلك عمّقت اليونان شراكاتها العملية مع قبرص وإسرائيل في مجالي الدفاع والطاقة، بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويسهم في تنويع مصادر الإمداد بعيدًا عن الموردين المعادين.
وتستضيف اليونان أيضًا المنشأة البحرية الأميركية الحيوية في خليج سودا بجزيرة كريت، وتوفر لها الدعم، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للعمليات الأميركية وعمليات حلف شمال الأطلسي في شرق البحر المتوسط.
ولم تقتصر هذه المقاربة على محيطها المباشر، بل امتدت إلى التعاون العسكري مع المملكة العربية السعودية للمساهمة في حماية البنية التحتية الحيوية للطاقة عند مصادر إنتاجها.
هذه الخطوات ليست مجرد مواقف رمزية أو إشارات دبلوماسية عابرة. إنها تعكس إدراكًا واقعيًا وواضحًا بأن بقاء الدول وازدهارها يتطلبان أفعالًا ملموسة، لا خضوعًا لبيروقراطيات بعيدة وبطيئة الحركة، ولا انصياعًا للموضات الأيديولوجية العابرة.
وفي زمن تبدو فيه عواصم أوروبية كبرى منشغلة بإدارة التراجع بدلًا من العمل على عكس مساره، تبرز الخيارات اليونانية بوصفها استثناءً جديرًا بالانتباه.
إن رحيل سفير، مهما كانت الظروف المحيطة به، لا يغيّر شيئًا من الحقائق الاستراتيجية الراسخة التي تحكم هذه العلاقة.
وقد أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو أن اليونان ستظل حليفًا حيويًا للولايات المتحدة، وأنه سيُعثَر على سفير بديل جدير بالثقة، يتمتع بالكفاءة ويحظى بثقة الرئيس الكاملة، ويكون على مستوى الأهمية التي تمثلها هذه العلاقة.
فنجاح البعثات الدبلوماسية أو إخفاقها لا يتوقف على شخص السفير وحده، بل يتحدد بعمق العلاقة التي تخدمها، وبمهنية الدبلوماسيين والموظفين المحترفين الذين يواصلون أداء مهامهم، وبمدى تطابق المصالح بين الحكومتين. وهذه الأسس جميعها لا تزال راسخة.
وإلى أن تتم المصادقة على تعيين سفير أميركي جديد ووصوله إلى أثينا، ستستمر المهمة دون انقطاع، من خلال عمل الفريق الدبلوماسي في السفارة، والتعاون العسكري المباشر بين القوات المسلحة للبلدين، والحوارات الجارية في مجالي الطاقة والاقتصاد، فضلًا عن الممارسة اليومية الهادئة لتحالف أثبت بالفعل قدرته على تجاوز أعنف الاضطرابات السياسية.
لقد كانت كنوز طروادة أسطورية، لكنها زالت في نهاية المطاف. أما الصديق الوفي، كما أدرك هوميروس، فهو أكثر بقاءً وأشد رسوخًا.
والولايات المتحدة واليونان كانتا صديقتين وفيتين على امتداد أجيال. إنها صداقة تستند إلى قيم مشتركة، وتعززها مصالح استراتيجية دائمة ومتقاربة، ولن تنتهي بانتهاء مهمة دبلوماسية، مهما بلغت أهميتها.
المهمة مستمرة.
عن الكاتب: القائد ديميتريز غرايمز، قائد سابق في البحرية الأميركية، وطيار ودبلوماسي حائز على أوسمة تقدير لخدمته القتالية. شغل منصب الملحق البحري الأميركي في إسرائيل واليونان، ونائب قائد القاعدة الأميركية في جزيرة كريت، ومستشار قائد القوات البحرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو).


