حين كُشف عن اختفاء مليارات الدولارات من أمانات الهيئة العامة للضرائب في ما عُرف بـ"سرقة القرن"، لم يُصدم العراقيون بحجم المبلغ وحده. صدمهم أن الخبر لم يفاجئهم. اعتادوا أن يسمعوا عن أموال تُنهب وعقارات تُسجَّل بأسماء لا وجود لها وشركات ترفع شعار الاستثمار ولا تنتج شيئًا. وما استُرد من تلك الأموال لا يقارن بما نُهب. هذه الوقائع تقف خلفها ظاهرة واحدة تستحق اسمًا دقيقًا: الثراء الطفيلي.
والمقصود به ليس كل ثراء، فالتاجر والمقاول والصناعي الذين يخاطرون وينتجون ويوظفون ويدفعون ضرائبهم جزء مشروع من أي اقتصاد حي. الثراء الطفيلي هو الثروة التي لا تخلق قيمة جديدة، بل تقتطع ما أنتجه غيرها أو ما تملكه الدولة: عقد مضخَّم، وساطة بلا خدمة، استيراد محمي بالنفوذ، ومنصب يتحول إلى مصدر دخل. وهو ابن الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على النفط وحده، فتصبح السلطة أقصر الطرق إلى المال. وخطره أنه لا يفقر الحاضر فحسب، بل يستنزف المستقبل: يفرغ الطبقة المتوسطة ويعمّق الفقر ويهدر ما كان ينبغي أن يبني دولة.
فلنبدأ بالقانون. في العراق نصوص تسأل عن مصدر الثروة وتُلزم المسؤول بالكشف عن ذمته المالية، لكنها تعمل في الغالب على الورق. والسبب ليس غموضًا في النص، بل أن من يُفترض به تفعيلها قد يكون أول المستفيدين من تعطيلها. وهنا يبرز السؤال الذي يتجنبه معظم الخطاب الإصلاحي: كيف نمنع "من أين لك هذا؟" من أن يصير سلاحًا لتصفية الخصوم؟ المخاوف مشروعة، فقد شهدنا حملات ضد الفساد لا تصيب إلا من خسر في لعبة النفوذ. والجواب في الضمانات لا في التراجع: جهة مستقلة لا تخضع لتوازنات الأحزاب، ومعايير معلنة تنطبق على الجميع دون استثناء، ورقابة قضائية على قراراتها، ونشر نتائج الفحص للرأي العام. حين تكون القاعدة واحدة والإجراءات علنية، يصعب أن تتحول المساءلة إلى انتقام.
ومن الآليات التي لا تحتاج إلى معجزة: سجل علني للمالك الحقيقي لكل شركة، يكشف من يختبئ خلف الأسماء الوهمية. وإقرارات ذمة مالية تُفحص فعلًا ولا تُودَع شكليًا في الأدراج. وربط السجل العقاري بالنظام المصرفي لتتبع حركة الأصول. وتعاون دولي جاد لتتبع الأموال المهرَّبة واستردادها. وفوق ذلك استقلال القضاء، وحماية من يبلّغ عن الفساد، ومحاسبة الرؤوس الكبيرة لا الأطراف الصغيرة التي تُقدَّم قربانًا في كل حملة.
لكن هل تكفي هذه الإجراءات؟ لا، إذا بقي الاقتصاد على حاله. فالثروة الطفيلية تنمو حيث يغيب الإنتاج ويسود الاستيراد والوساطة. والبديل قطاع خاص حقيقي يوظف وينتج ويبتكر ويصدّر ويدفع ضرائب شفافة. ودعمه يعني بيئة قانونية عادلة وائتمانًا مصرفيًا متاحًا وبنية تحتية تعمل، وحمايته من منافسة غير مشروعة يمارسها أصحاب النفوذ. بهذا ينتقل الاقتصاد من توزيع الريع إلى خلق القيمة، ومن اقتصاد يكافئ القرب من السلطة إلى اقتصاد يكافئ الكفاءة.
وهدف ذلك كله حماية الطبقة المتوسطة وانتشال الفقراء. الطبقة المتوسطة تدفع ثمن الثراء الطفيلي أولًا، وإن لم يُسمَّ ضريبة: رشوة لإنجاز معاملة، وإنفاق على تعليم وصحة خاصين لأن العام تدهور، وغلاء تصنعه الاحتكارات. وحين ينهك الضغط من تبقى منها تهاجر أو تفتقر. أما الفقراء فيُدفعون إلى وظائف هشة وتبعية لشبكات الوساطة. وحين نتحدث عن "إعادة توجيه الثروة" فلا نعني المصادرة، بل توجيه موارد الدولة من تغذية الريع إلى تمويل الإنتاج والتعليم والخدمات التي ترفع الناس بجهدهم.
يبقى الاعتراض الأصعب: إذا كانت الحلقات مترابطة، فمن أين نبدأ؟ فهيبة الدولة تحتاج قوانين مفعّلة، والقوانين تحتاج قضاءً مستقلًا، والقضاء المستقل يحتاج دولة مهيبة. نقطة الدخول الواقعية ليست إصلاحًا شاملًا دفعة واحدة، بل مؤسسة صغيرة محصّنة وشفافة تبدأ بأعلى المناصب وبالعقود العامة الكبرى، وتنجح في قضايا معدودة أمام أعين الناس. فالنجاح المرئي يصنع الثقة، والثقة تصنع الدعم الشعبي الذي لا يستطيع المتضررون من الإصلاح مقاومته طويلًا. هيبة الدولة تُبنى هكذا، بقضية تُحسم بعدل ثم أخرى.
الخيار أمام العراق واضح: أن تظل الثروة تُقاس بالقرب من السلطة، أو أن تُقاس بما يضيفه صاحبها إلى البلد. وفي الحالة الأولى سيجد العراقي نفسه بعد عقد يسأل السؤال ذاته عن أموال أخرى ومشاريع أخرى. وفي الثانية، قد يأتي يوم يُسأل فيه السؤال القديم نفسه: "من أين لك هذا؟"، فيكون في وسع من يُسأل أن يجيب بلا خوف.


