لم تكن خسارة روسيا مقعدًا في المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية مجرد إخفاق انتخابي عابر، بل حملت دلالة سياسية تستحق التأمل، في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية بشأن استخدام المواد الكيميائية في الحروب، وتتقدم فيه قضية المساءلة بوصفها اختبارًا حقيقيًا لمصداقية المؤسسات الدولية. فالدول التي تسعى إلى شغل مواقع المسؤولية في المنظمات المعنية بحماية البشرية من أسلحة الدمار لا بد أن تواجه أسئلة جدية بشأن مدى احترامها للاتفاقيات التي تعهدت بالالتزام بها.
في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، حاول الاتحاد الروسي الفوز بمقعد في المجلس التنفيذي للمنظمة للفترة الممتدة من أيار (مايو) 2026 إلى أيار (مايو) 2028، ضمن المقاعد المخصصة لمجموعة دول أوروبا الشرقية. لكن الانتخابات التي جرت خلال الدورة الثلاثين لمؤتمر الدول الأطراف، المنعقدة في لاهاي بين 24 و28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، انتهت بفوز أوكرانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا، فيما أخفقت روسيا في الحصول على مقعد. وهكذا وجدت موسكو نفسها خارج المجلس، في نتيجة تحمل دلالات سياسية تتجاوز حدود المنافسة على منصب داخل منظمة دولية.
ولم يكن الجدل المحيط بالترشح الروسي منفصلًا عن الحرب المستمرة على الأراضي الأوكرانية، ولا عن التقارير الفنية التي تناولت وجود عوامل كيميائية محظورة في مواقع المواجهات. ففي 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نتائج زيارة فنية إلى أوكرانيا، أكدت فيها مختبرات معتمدة تابعة للمنظمة، بعد تحليل مستقل للعينات، وجود مادة "سي إس" (CS)، المعروفة باستخدامها عاملًا لمكافحة الشغب، في قنبلة يدوية وعينات من التربة جُمعت من خندق قرب خطوط المواجهة في منطقة دنيبروبتروفسك. وأوضحت المنظمة أن استخدام عوامل مكافحة الشغب وسيلة للحرب محظور بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
ولم تقف النتائج عند هذا الحد. ففي 14 شباط (فبراير) 2025، أعلنت المنظمة نتائج زيارة فنية ثانية تناولت ثلاث حوادث أُبلغ عنها في المنطقة نفسها خلال تشرين الأول (أكتوبر) 2024. وأكدت التحاليل المستقلة وجود مادة "سي إس" أو مركبات مرتبطة بها ونواتج تحللها في عينات من القنابل والتربة والنباتات. ثم جاء التقرير الثالث، الذي أُعلن في حزيران (يونيو) 2025، ليؤكد مجددًا وجود المادة نفسها أو مركبات مرتبطة بها في عينات جُمعت من مواقع على خطوط المواجهة. وبذلك أصبحت لدينا ثلاثة تقارير فنية متعاقبة تؤكد وجود هذه المادة في العينات التي فُحصت، وهو تطور يستدعي اهتمامًا جادًا من الدول الأطراف في الاتفاقية.
ومن الضروري هنا التمييز بين ما أثبتته التحاليل الفنية وما لم تحسمه تلك التقارير. فقد أكدت المنظمة وجود المادة الكيميائية المحظور استخدامها وسيلة للحرب، لكنها لم تعلن في هذه التقارير الثلاثة تحديد المسؤولية النهائية عن كل واقعة. وهذا التفريق لا ينتقص من خطورة النتائج، بل يعزز قوة الحجة القانونية، لأن مواجهة الانتهاكات تبدأ بتثبيت الأدلة، ثم استكمال إجراءات التحقيق وتحديد المسؤولية وفق الآليات المختصة.
إن خطورة هذه الوقائع لا تكمن في طبيعة المادة المكتشفة فحسب، بل في دلالتها على ضرورة حماية القواعد الدولية التي تحظر تحويل المواد الكيميائية إلى أدوات للقتال. فاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية ليست نصًا نظريًا يمكن للدول أن تستشهد به حين يخدم مصالحها وتتجاهله حين يتعارض مع حساباتها العسكرية، وإنما هي التزام دولي يفرض قواعد واضحة على جميع الدول الأطراف، بصرف النظر عن قوتها العسكرية أو مكانتها السياسية.
ومن هنا، فإن خسارة روسيا مقعدها في المجلس التنفيذي تكتسب أهمية خاصة، وإن كان من الخطأ اعتبار نتيجة الانتخابات وحدها حكمًا قانونيًا في مسؤولية دولة عن انتهاك معين. فالانتخابات داخل المنظمات الدولية تخضع لترتيبات إقليمية وإجراءات سياسية، أما إثبات المخالفات وتحديد المسؤولين عنها فيتطلبان أدلة وتحقيقات وآليات قانونية مستقلة. ومع ذلك، فإن إخفاق موسكو في الوصول إلى المجلس، في ظل الجدل الدولي بشأن الحرب الأوكرانية ونتائج التقارير الفنية، يفتح الباب أمام سؤال مشروع: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يحافظ على هيبة الاتفاقيات التي تحمي الإنسان إذا لم يقترن الالتزام بها بمساءلة جدية عن الانتهاكات المثبتة؟
إن المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية ليس ناديًا سياسيًا لتوزيع المقاعد، بل هيئة مسؤولة عن تعزيز تنفيذ الاتفاقية والامتثال لها، ومتابعة أعمال الأمانة الفنية للمنظمة. ويتألف المجلس من 41 دولة عضوًا تُنتخب وفق مبدأ التناوب، مع مراعاة التوزيع الجغرافي العادل وأهمية الصناعة الكيميائية والمصالح السياسية والأمنية. وهذه المعايير تعكس طبيعة المؤسسة الدولية، لكنها لا تلغي ضرورة التمسك بهدفها الأساسي، وهو حماية البشرية من خطر الأسلحة الكيميائية.
وإذا كانت موسكو قد أخفقت في محاولتها السابقة، فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا تنتهي عند حدود نتيجة انتخابية. فالمطلوب هو مواصلة التحقيق في الوقائع المبلغ عنها، وضمان استقلال الخبراء، ونشر النتائج التي تسمح قواعد المنظمة بإتاحتها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن انتهاك الاتفاقية. أما الاكتفاء بالمواقف السياسية المؤقتة، من دون متابعة قانونية جادة، فلن يحمي الجنود والمدنيين من تكرار هذه الانتهاكات.
وللدول العربية، كما لغيرها من الدول الأعضاء، دور مهم في الدفاع عن عالمية الاتفاقيات الدولية وعدم إخضاعها لميزان القوة أو التحالفات. فالدفاع عن حظر الأسلحة الكيميائية لا ينبغي أن يكون موقفًا انتقائيًا يتبدل بتبدل هوية الدولة المتهمة، بل التزامًا ثابتًا بحماية الإنسان، أينما كان، ومهما كانت الجهة المسؤولة عن تعريض حياته للخطر.
إن القضية، في جوهرها، أكبر من مقعد خسرته موسكو، وأبعد من منافسة انتخابية انتهت نتائجها. إنها قضية الثقة بالقانون الدولي، وقدرة المؤسسات التي أُنشئت لحماية البشرية على صون المبادئ التي قامت عليها. فالمؤسسات الدولية لا تستمد هيبتها من أسماء الدول التي تشغل مقاعدها، بل من قدرتها على تطبيق قواعدها باستقلال ونزاهة، ومن استعداد أعضائها لاحترام الالتزامات التي تعهدوا بها.
لقد خسرت روسيا معركة الوصول إلى المجلس التنفيذي للفترة 2026–2028، لكن الاختبار الحقيقي للمجتمع الدولي لا يزال قائمًا. فهل تتحول الأدلة الفنية إلى خطوات جادة للمساءلة، أم تبقى التقارير حبيسة الوثائق، بينما تستمر الحروب وتدفع الشعوب ثمنها؟
إنَّ الكرسي الذي لم تحصل عليه موسكو ليس هو القضية وحده، فالأهم ألا يصبح القانون الدولي نفسه كرسيًا شاغرًا، تغيب عنه العدالة كلما اصطدمت المبادئ بمصالح الأقوياء.


