لم تعد التحديات التي تواجه المملكة العربية السعودية مقتصرة على تهديدات ميليشيات الحوثي على حدودها الجنوبية، بل باتت تمتد إلى شبكة معقدة من الحسابات السياسية والاستراتيجية، تتداخل فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتتشابك فيها أوراق الضغط والتفاوض، حتى يبدو المشهد وكأن الجميع يريد من الرياض أن تدفع ثمنًا مقابل كل خطوة تُتخذ لحماية أمنها واستقرارها.
الولايات المتحدة تملك أوراقًا، وإسرائيل تملك أوراقًا، ودول إقليمية ودولية لديها أوراق ضغط، والقوى السياسية والعسكرية في اليمن تملك أوراقًا أخرى، لكن المملكة هي التي تجد نفسها في قلب المعادلة الأمنية، وهي التي تتحمل العواقب المباشرة لأي اختلال في ميزان القوى على حدودها.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل بات أمن المملكة ساحة للمساومات السياسية، بحيث يسعى كل طرف إلى انتزاع مكاسب خاصة مقابل التعاون في مواجهة الخطر الحوثي الذي أصبح يُدعم بشكل علني من قوى خارجية بأحدث الصواريخ والمسيّرات؟
تتمتع المملكة العربية السعودية بأهمية استراتيجية كبرى بالنسبة إلى الولايات المتحدة، سواء في أمن الطاقة، أو استقرار أسواق النفط، أو التوازنات الإقليمية، أو مواجهة التهديدات التي تستهدف المصالح الأميركية وحلفاءها، لكن العلاقات بين الدول الكبرى لا تقوم على الاعتبارات الأمنية وحدها، إذ تتداخل معها ملفات التطبيع مع إسرائيل، والتعاون الدفاعي، وترتيبات الأمن الإقليمي والمحاصصة في فرض الهيمنة والنفوذ وحتى التحكم بالممرات المائية والملاحة الدولية، فهل ينبغي أن تتحول احتياجات المملكة الأمنية إلى ورقة ضغط لانتزاع تنازلات في ملفات أخرى؟
وهنا نؤكد بأن الشراكة الاستراتيجية الحقيقية تقتضي احترام استقلال القرار السعودي، وعدم التعامل مع أمن المملكة باعتباره امتيازًا تمنحه واشنطن متى حصلت على المقابل السياسي والاقتصادي الذي تريده.
أما فيما يتعلق بالنزاع داخل اليمن، فالمملكة تنظر إلى اليمن من زاوية ترتبط مباشرة بأمن حدودها واستقرار محيطها الجغرافي، وتنازع القوى الإقليمية والدولية للظفر بنفوذ مستقبلي في اليمن والاستفادة من موقعه الجغرافي، وخاصة مضيق باب المندب وثرواته الأخرى، فهنا تكمن حساسية الملف وتتباين الرؤى بشأن شكل الدولة اليمنية ومستقبلها السياسي، والذي يجب أن يتم النظر فيه بعد أن تستعيد الحكومة الشرعية سيادتها على كل جزء من أرض اليمن، ومن البديهي والثابت في منطق العلاقات الدولية أن التحالفات لا تعني تطابق المصالح دائمًا، وأن المملكة مطالبة بحساب نتائج أي ترتيبات يمنية على أمنها القومي، لا الاكتفاء بالنظر إلى المكاسب العسكرية الآنية.
وكما أبدت الرياض، فإن التعامل مع القضية الجنوبية لا يمكن فصله عن التسوية السياسية الشاملة في اليمن، ومنع تحوّل الخلافات الداخلية إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار على حدود المملكة، فإذا التقت مصالح هذه القوى مع الجهد السعودي في مواجهة الحوثيين، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تطابق الأهداف النهائية، فقد تتفق الأطراف على خصم مشترك، لكنها تختلف بشأن ما ينبغي أن يحدث بعد انتهاء المواجهة.
وهنا ينبغي على المملكة أن تميز بين التعاون العسكري الذي يخدم هدفًا أمنيًا مباشرًا، وبين الالتزامات السياسية التي قد تفرض عليها التعامل مع واقع جديد لا يتوافق بالضرورة مع رؤيتها لمستقبل اليمن، فليس كل من يقاتل الحوثي يقاتل بالضرورة من أجل الأهداف السعودية نفسها، وليس كل تحالف ميداني ضمانة لتوافق سياسي مستقبلي، والمشكلة الحقيقية ليست في أن تسعى الدول إلى مصالحها، فهذا هو جوهر السياسة الدولية، المشكلة تبدأ عندما تتحول حاجة دولة إلى حماية أمنها إلى فرصة أمام الآخرين لفرض شروط تتجاوز طبيعة التعاون المطلوب.
إن المملكة العربية السعودية دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي، وتمتلك من الإمكانات والعلاقات ما يجعلها قادرة على بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، ومن ثم فإن السؤال ليس ما الذي يريده الأميركيون أو الإسرائيليون أو القوى الإقليمية والدولية أو التيارات السياسية اليمنية من الرياض فحسب، بل ما الذي تريده الرياض لنفسها، وما حدود التنازلات التي يمكن أن تقبل بها، وما الضمانات التي تحصل عليها مقابل أي التزام سياسي أو أمني، هل يكفي أن تتراجع المخاطر العسكرية اليوم إذا كان الثمن المحتمل هو نشوء مخاطر سياسية جديدة غدًا، وهل تكون المكاسب التكتيكية جديرة بالقبول إذا أفضت إلى ترتيبات طويلة الأمد يصعب تغييرها لاحقًا؟
إن الدرس الأهم الذي تفرضه التطورات الإقليمية هو أن الدول لا تستطيع أن تفوض الآخرين في تحديد أولويات أمنها، مهما بلغت أهمية التحالفات التي تربطها بهم، فالمملكة تستطيع أن تتعاون مع واشنطن، وأن تنسق مع دول إقليمية ودولية، وأن تتعامل مع القوى اليمنية المختلفة، لكن ينبغي أن تظل هذه العلاقات محكومة بهدف واضح: حماية أمن المملكة، وصون سيادتها، ومنع تحول الجوار إلى مصدر تهديد دائم، والعمل من أجل تسوية مستقرة تحفظ مصالح الأطراف المعنية، فمواجهة الحوثيين ليست غاية منفصلة عن مستقبل اليمن، كما أن إنهاء تهديد عسكري لا ينبغي أن يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية أخرى أكثر خطورة على أمن واستقرار المملكة والمنطقة بأسرها.
فالسؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا: هل تخدم التفاهمات والتحالفات القائمة أمن المملكة على المدى البعيد، أم أنها تعالج خطرًا قائمًا مقابل فتح أبواب لمساومات وتحديات جديدة؟ ذلك هو جوهر القضية، وتلك هي المعادلة التي تستحق أن تُقرأ بعناية قبل أن تدفع أثمان أي تسوية، أمن المملكة العربية السعودية ليس ورقة في يد الآخرين، بل أساس أي معادلة إقليمية تريد لنفسها الاستقرار والاستمرار.


