إذا كان لدى المشارك في أي نقاش في أي مجال حقائق ومعلومات موثقة؛ فلماذا يرفع صوته ويستخدم لغة تصادمية مع المشاركين في الحوار؟ لماذا لا يكون الصوت هو صوت الحقائق والأدلة والأرقام؟
الحوار الناجح يستند على عوامل أساسية منها علاقة المشاركين بموضوع الحوار من حيث التخصص والخبرة أو طبيعة العمل، ومنها الثقافة العامة للمشاركين التي تعني احترام اختلاف الآراء، والالتزام بالموضوعية للوصول إلى نتائج يستفيد منها المتلقي والقدرة على الإنصات. إذا توفرت تلك العوامل يبقى العامل الأهم وهو مهارة مدير الحوار وثقافته وإلمامه بموضوع الحوار والتحضير الجيد والقدرة على الالتزام بموقف محايد وعدم السماح بالشخصنة أو المقاطعة أو اللغة غير اللائقة وعدم توجيه الحوار بما يتفق مع توجهاته. يعتمد نجاح الحوار بنسبة كبيرة على ثقافة مدير الحوار التي تمكنه من إعداد الأسئلة وطرح أسئلة جديدة تفرضها المناقشة وتثري الموضوع حتى لا يتحول المحاور إلى مجرد مستمع.
ننتقل من هذا التنظير إلى الواقع، سنجد حوارات رائعة مفيدة في مجالات مختلفة وخاصة في المجال العلمي، وسنجد حوارات تتعمد الإثارة لجذب الجمهور كما يحدث في الحوارات الاجتماعية والسياسية والرياضية.
إحدى المشكلات التي تعاني منها الحوارات الخلط بين المعلومة والرأي. ومن سلبيات بعض الحوارات تحولها إلى معركة لا بد فيها من منتصر، وأن يكون التركيز على الأفراد وليس على الأفكار. ومن الملاحظات على بعض مديري الحوارات بحثهم عن الإثارة وليس عن معلومات تفيد المتلقي، بدليل أن البعض يجامل في التعامل مع من يخرج عن أدبيات الحوار ومن يستخدم لغة غير لائقة أو يرمي الاتهامات في كل اتجاه معتمدا على اللغة الإنشائية والصوت العالي، يقابله مدير حوار لا يطلب أدلة وإنما يعطي الفرصة لأحد المشاركين للوصول إلى حالة تصادم تحقق الإثارة المطلوبة، وهذه حالة تظهر كثيرا في البرامج الرياضية التي لا تحسن اختيار الضيوف أو تتعمد مشاركة من يرفع مستوى الإثارة أو التعصب لزيادة عدد المتابعين، وهو وضع يتطلب اعتماد معايير مهنية وثقافية في اختيار ضيوف الحوارات مع التأكيد على مبدأ أن فاقد الشيء لا يعطيه. ليست المشكلة في تعدد الآراء وإنما في عدم قدرة المحاور أو عدم رغبته في التحرر من أفكار مسبقة، فيصبح متمسكا بكل عناد بآراء عاطفية حتى لو قاد النقاش إلى حقيقة واضحة يتفق عليها الجميع ومدعومة بأدلة واقعية أو علمية مناقضة لتلك الآراء العاطفية.
الحوار في أي موضوع يتطلب تعدد الآراء، كما يتطلب مدير حوار ملمًا بموضوع الحوار بما يمكنه من طرح الأسئلة المناسبة والتفاعل واستنباط أسئلة من مضمون مشاركة ضيوف الحوار. يقاس نجاح الحوار بمدى تحقق أهدافه، هذا إذا كانت له أهداف واضحة، أما إذا كانت غير واضحة فيصبح الحوار عندئذ مضيعة للوقت.

