تغريد إبراهيم الطاسان
كثير منا يعتقد أن مهمة الدفاع المدني تبدأ مع وقوع الحادث.. وتنتهي بزوال الخطر أو انتهاء عمليات الإنقاذ..
ولكن ما لا يدركه كثيرون أن دور الدفاع المدني أكبر وأشمل من ذلك بكثير.. حيث يبدأ هذا الدور بالوقاية، التي تعتمد على الجاهزية، التي تتكامل فيها التقنية مع التدريب ووعي المجتمع، لتكون حماية الأرواح والممتلكات غايتها الأولى.
هذه المعرفة التي عززت مفهوم الدفاع المدني عندي اكتسبتها أثناء زيارة مقر المديرية العامة للدفاع المدني، وذلك من خلال الاطلاع على جانب من هذه المنظومة الراقية بخدمتها والجبارة بإمكاناتها، وما شهدته من تطور في التخطيط والإمكانات والتقنيات. ومن خلال العروض التعريفية، التي أبرزت ملامح الخطة الاستراتيجية للمديرية للفترة 2025 – 2030، وما تتضمنه من اهتمام بإدارة الأزمات والكوارث، وتطوير المنظومة الرقمية، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الوعي الوقائي وإشراك المجتمع في ترسيخ ثقافة السلامة.
الاستباق قيمة سلامة عالية تجعل المواطن والمقيم شريك رئيس في تجنب الخطر.. ولعل أبرز ما يوضح معنى الاستباق في عمل الدفاع المدني، المنصة الوطنية للإنذار المبكر، فهي تتيح إيصال التحذيرات إلى السكان عند الطوارئ، بما يساعد على رفع الاستعداد واتخاذ الإجراءات الوقائية في الوقت المناسب.
تكتمل هذه المنظومة الجبارة.. بما اطلعنا عليه من تقنيات ميدانية، تشمل روبوت الإطفاء والطائرات المسيّرة ووسائل البحث والتقصي، وعربة التعامل مع حوادث المواد الخطرة، واللافت أن قيمة هذه التقنيات لا تكمن في حداثتها فقط، إنما في قدرتها على دعم فرق الميدان المتمكن والمؤهل، والوصول إلى المواقع الخطرة، وبالتالي تقليل المخاطر على الأرواح.
لكن التقنية، مهما تقدمت، فلا يمكنها تحقيق غايتها من دون كوادر مؤهلة. ولهذا كان للتعريف بمعهد الدفاع المدني وبرامجه التدريبية ومرافقه، ومنها مركز التدريب النسائي، دلالته المهمة.. فالاستثمار في الإنسان هو الذي يحوّل الإمكانات إلى أداء، والمعرفة إلى جاهزية، والتدريب إلى استجابة منضبطة عند الأزمات. كما أن استمرار تطوير المهارات يهيئ العاملين للتعامل مع حوادث متنوعة، ويعزز قدرتهم على أداء مهامهم بكفاءة.
وتتسع رسالة الدفاع المدني السامية لتتجاوز حدود الاستجابة المحلية، كما يظهر في عمل فريق البحث والإنقاذ السعودي، الذي يستند إلى التدريب والتجهيز والتنسيق، ويشارك في إسناد الجهود داخل المملكة ومساعدة المتضررين من الكوارث. وهنا تتجلى قيمة الجاهزية الوطنية حين تكون سندًا للإنسان أينما احتاج إلى الإنقاذ والإغاثة.
ولكن.. مع كل هذا التميز والمهنية.. تبقى الوقاية مسؤولية مشتركة.. فنجاح الخطط والأنظمة يحتاج إلى مجتمع يعرف كيف يتعامل مع التنبيهات، ويلتزم بإرشادات السلامة، ويتجنب السلوكيات التي تعرّضه والآخرين للخطر. ومن هنا تبرز أهمية التعاون بين الدفاع المدني والإعلام في إيصال الرسائل التوعوية بوضوح، وتعزيز ثقافة تجعل السلامة ممارسة يومية لا استجابة مؤقتة.
في خضم كل هذا التطور، وبعد كل طاقة الفخر التي انتشت لها الروح بعد هذه الزيارة.. أصبح لابد من الإشارة إلى عراب هذا التميز، وصاحب الإنجاز بعد الله، سمو سيدي صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية.. فبدعمه وتوجيهه ومتابعته تعززت قدرات الدفاع المدني، وتطورت منظوماته التقنية والتدريبية والميدانية. والإنجاز هنا شاهد على قيادة آمنت بأن حماية الأرواح تُبنى بالتخطيط والتمكين والاستثمار في الإنسان، وتتحقق بتكامل جهود العاملين مع وعي المجتمع.
خلاصة القول
الدفاع المدني حاضر في تفاصيل حياتنا قبل أن نراه في موقع الحادث: في تنبيه يسبق الخطر، وتدريب يرفع الجاهزية، وتقنية تسند الميدان، ورسالة توعوية تحمي الإنسان. وهذه هي قيمة الوقاية حين تتحول إلى عمل مؤسسي متكامل، ووعي مجتمعي يحفظ الأرواح والممتلكات.

