: آخر تحديث

قلوبنا معكم... أشقّاءنا في الأردن الحبيب

4
4
4

عبدالعزيز التميمي

ليست كل الكلمات قادرة على مداواة جراح القلوب، وليست كل عبارات الاستنكار كافية للتعبير عن حجم الألم حين تمتد يد الغدر إلى أرواح بريئة، وتنتهك حرمة مكان أُقيم للعبادة، وتتحول لحظات الحزن الإنساني إلى مشهد من الرصاص والدموع. لكننا نكتب اليوم، لأن الصمت أمام الإرهاب ليس موقفاً، ولأن التضامن مع الأشقاء واجب تمليه علينا الأخوة العربية والضمير الإنساني.

من الكويت، أرفع صوتي بالتضامن مع الأردن الشقيق، قيادةً وشعباً، وأعبّر عن بالغ حزني واستنكاري للاعتداء الآثم الذي شهدته محافظة الكرك واستهدف كنيسة ومواطنين آمنين. إن هذا الفعل الإجرامي، بما يحمله من قسوة وانتهاك لحرمة الإنسان ودور العبادة، مرفوض بكل المقاييس الدينية والأخلاقية والإنسانية، ولا يمكن تبريره تحت أي ذريعة أو خلاف أو ابتزاز.

أنا أرفض رفضاً قاطعاً الاعتداء على أي مكان للعبادة، ولا أفرّق بين مسجد أو حسينية أو كنيسة أو دير أو كنيس. فهذه الأماكن، على اختلاف الأديان والمعتقدات، يقصدها الإنسان طلباً للسكينة والتأمل والتقرب إلى الله وفق إيمانه. وليس من حق أحد أن ينصّب نفسه قاضياً على ضمائر الناس، فالله سبحانه وتعالى أعلم بعباده، وهو وحده صاحب الحكم عليهم. أما نحن، فواجبنا صون الدماء، واحترام كرامة الإنسان، وحماية حقه في ممارسة شعائره الدينية بأمان وطمأنينة.

إن الإرهاب لا دين له، والتطرف لا يمثل جوهر الإيمان، ومن يرفع السلاح في وجه الأبرياء، أو يقتحم حرمة دور العبادة، لا ينتصر لدين ولا يدافع عن عقيدة، بل يسيء إلى الإنسانية وإلى القيم التي تدعو إلى الرحمة والعدل وصون النفس. وما أبشع أن تتحول لحظة تشييع وحزن إلى جريمة تحصد الأرواح وتترك أسراً مفجوعة وقلوباً مكلومة!

وإنني، إذ أتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى أسر الضحايا وذويهم، وإلى أهلنا في الكرك وسائر أبناء الشعب الأردني، لأدعو الله أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان. إن مصابهم مصابنا، ووجعهم يصل إلى قلوبنا، فالأردن ليس بلداً بعيداً عن وجداننا، بل هو بلد عربي شقيق تجمعنا بأهله روابط التاريخ والمودة والمصير المشترك.

والأردن الهاشمي، بلد النشامى والأصالة والكرامة، عرفه العرب على الدوام وطناً للوفاء والشهامة، وشعباً يقف في وجه المحن متماسكاً متضامناً. ومن هنا، فإننا على ثقة بأن مؤسسات الدولة الأردنية وأجهزتها المختصة ستواصل أداء واجبها في ملاحقة المسؤولين عن هذا الاعتداء، وكشف ملابساته، وتقديم المتورطين إلى العدالة لينالوا جزاءهم وفق أحكام القانون، بعيداً عن الانتقام والتسرع في إطلاق الأحكام قبل اكتمال التحقيقات.

إن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الجريمة، بل كذلك بقدرتها على حماية وحدتها الوطنية، وصون حقوق جميع أبنائها، ومنع المجرمين من تحقيق غايتهم في بث الخوف والفرقة بين مكونات المجتمع. فالذين يراهنون على الدم لتمزيق النسيج الوطني يخطئون حين يظنون أن رصاصهم قادر على إطفاء روح الأخوة أو محو تاريخ طويل من التعايش.

وستبقى الكرك، بتاريخها الأردني العريق وأهلها الكرام، أكبر من أن تنال منها يد الغدر، وسيبقى الأردنيون، مسلمين ومسيحيين، أبناء وطن واحد، تجمعهم الأرض والكرامة والحقوق والواجبات. إن حماية الكنيسة هي حماية للمسجد، وصون حرمة المسجد هو صون لحرمة الكنيسة، لأن حرمة الإنسان لا تتجزأ، ولأن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا حين يشعر كل مواطن بأن حياته ومعتقده وكرامته مصونة بلا تمييز.

يا أشقاءنا في الأردن الحبيب! قلوبنا معكم في هذه المحنة، ودعاؤنا لكم بالأمن والسلام، وعزاؤنا أن صوت العقل والإنسانية سيبقى أعلى من أصوات الرصاص، وأن العدالة ستظل أقوى من الغدر، وأن المحبة ستنتصر على الكراهية مهما اشتد الظلام.

حفظ الله الأردن ملكاً وشعباً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأدام على المملكة نعمة الأمن والاستقرار، ورحم الضحايا، وشفى المصابين، وألهم أسرهم الصبر والثبات.

عاش الأردن الشقيق عزيزاً آمناً، وعاشت الأخوة العربية والإنسانية، والسلام على أرض الأردن وأهله، ورحمة الله على الضحايا، وحمى الله أوطاننا من كل سوء، اللهم آمين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد