: آخر تحديث

المضيق الضائع بين واشنطن وطهران والخليج يدفع الفاتورة

7
7
6

قبل أشهر قادت الولايات المتحدة الأميركية، مدعومة بإسرائيل، حربًا مفتوحة على إيران تحت عنوان القضاء على مشروعها النووي، واستخدمت في تلك الحرب ترسانة واسعة من الأسلحة الفتاكة شملت قاذفات B-2 الشبحية وصواريخ توماهوك وقنابل GBU-57 الخارقة للتحصينات، في ضربات استهدفت منشآت نطنز وفوردو وأصفهان، وبالرغم من كثافة القصف الذي تجاوز في بعض التقديرات 1500 طلعة جوية و400 صاروخ موجه خلال أسابيع قليلة، إلا أن النتائج العسكرية المعلنة لم تترجم إلى حسم استراتيجي، فبحسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية نفسها، فإن إيران كانت تمتلك قبل الحرب أكثر من 408 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، وهي كمية تكفي نظريًا لإنتاج عدة رؤوس نووية عند رفع التخصيب إلى 90 بالمئة، وبعد الضربات أكدت تقديرات استخباراتية أميركية مسربة أن البرنامج لم يُدمر، بل تأخر بين 6 أشهر إلى عامين فقط، مع بقاء القدرة على استئناف التخصيب في مواقع جبلية عميقة لم تصلها الضربات.

الارتداد الأخطر لهذه الحرب لم يكن في الداخل الإيراني، بل في الجوار الخليجي المباشر، فمع كل صاروخ أميركي كان يسقط على إيران، كانت صواريخ إيرانية باليستية ومسيّرات انتحارية بعيدة المدى من طراز شاهد 136 وآرش-2 تسقط على مواقع في قطر والكويت والإمارات والبحرين والسعودية، مستهدفة بنى تحتية حيوية ومدنية، وقد وثقت بيانات الملاحة الجوية أن المجال الجوي الخليجي شهد خلال ذروة التصعيد إلغاء أكثر من 3 آلاف رحلة جوية وتحويل مسار أكثر من ألف رحلة أخرى، فيما بلغت خسائر قطاع الطيران الخليجي وحده ما يقارب مليارًا و800 مليون دولار خلال ثلاثة أسابيع، وفق تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي IATA، كما تعرضت منشآت للطاقة والتحلية في المنطقة الشرقية السعودية وفي حقل الشمال القطري لمحاولات استهداف مباشرة، وهو ما رفع علاوة المخاطر الجيوسياسية على النفط الخليجي بمقدار 8 إلى 12 دولارًا للبرميل.

اقتصاديًا، كانت معركة مضيق هرمز هي العنوان الأبرز للفشل، فالمضيق الذي يمر عبره يوميًا نحو 20.5 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل 21 بالمئة من الاستهلاك العالمي اليومي، ونحو 88 مليون طن من الغاز المسال سنويًا يمثل ثلث تجارة الغاز المسال العالمية، لم تستطع الولايات المتحدة تأمينه بالرغم من نشرها حاملتي طائرات و12 سفينة حربية و8 آلاف جندي إضافي في المنطقة، بل على العكس تراجعت حركة العبور عبره بنسبة 38 بالمئة خلال الأسبوع الثاني من الحرب، وارتفعت كلفة التأمين على الناقلات VLCC العابرة للمضيق من 0.125 بالمئة من قيمة الشحنة إلى 0.85 بالمئة، أي من نحو 150 ألف دولار إلى أكثر من مليون دولار للرحلة الواحدة، مما دفع أكثر من 47 شركة شحن عالمية كبرى بينها ميرسك وهاباغ لويد وMSC إلى تعليق العبور وإعادة توجيه سفنها عبر طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما أضاف 12 إلى 15 يومًا لزمن الرحلة ورفع كلفة الشحن للحاوية الواحدة من آسيا إلى أوروبا من 2400 دولار إلى أكثر من 5800 دولار.

هذا الفراغ الأمني في المضيق ضاع بين تصريحات متضاربة، فبينما كانت القيادة المركزية الأميركية CENTCOM تؤكد أن المضيق مفتوح وآمن، كانت هيئة الأركان الإيرانية تعلن فرض قيود ملاحية انتقائية وتفتيش سفن، والنتيجة العملية كانت أن لا أحد يتحمل المسؤولية القانونية والتأمينية عن سلامة العبور، فدخل سوق الطاقة العالمي في حالة ارتباك حاد، حيث قفز خام برنت من 78 دولارًا إلى 121 دولارًا في 11 يومًا، وتجاوزت العقود الآجلة للغاز في السوق الأوروبية TTF مستوى 58 يورو للميغاواط/ساعة بزيادة 73 بالمئة، وهو ما انعكس مباشرة على معدلات التضخم في الدول المستوردة وعلى موازنات دول الخليج نفسها التي، بالرغم من استفادتها الظاهرية من ارتفاع الأسعار، خسرت أكثر من 9.4 مليارات دولار كتكاليف مباشرة لإصلاح أضرار واستهلاك منظومات الدفاع الجوي مثل باتريوت وثاد، التي تبلغ كلفة الصاروخ الواحد منها بين 3 و8 ملايين دولار، في حرب استنزاف لم تكن طرفًا في قرارها.

ولم يكن المشهد ليكتمل دون دخول اليمن على الخط عبر جماعة الحوثي التي تعمل كذراع متقدم لإيران، حيث أطلقت الجماعة أكثر من 240 مسيّرة وصاروخًا خلال فترة الحرب باتجاه الأراضي السعودية، تركزت على مطارات أبها وجازان وجدة والرياض ونجران، مما أدى إلى إغلاق شبه كامل لمطار أبها لمدة 19 يومًا وتعليق 62 بالمئة من الرحلات في مطار الملك عبدالعزيز بجدة لفترات متقطعة، وبلغت الخسائر المباشرة لقطاع السياحة والخدمات اللوجستية في السعودية خلال تلك الفترة نحو 2.3 مليار ريال سعودي وفق تقديرات غير رسمية، فضلًا عن تراجع ثقة شركات الطيران الأجنبية وإعادة تصنيف الأجواء السعودية ضمن النطاق البرتقالي عالي المخاطر من قبل شركات التأمين الأوروبية، وهو ما يضيف عبئًا هيكليًا على رؤية 2030 التي تراهن على السياحة والطيران كركيزتين أساسيتين لتنويع الدخل.

واليوم، حين تعلن واشنطن مجددًا عن نيتها العودة لضرب إيران، فإنها في الواقع لا تعيد إنتاج فشل عسكري فحسب، بل تعيد تعريض منظومة الأمن الخليجي برمتها لخطر وجودي، فالتجربة أثبتت أن القواعد الأميركية المنتشرة في بعض دول الخليج لم تعد عامل ردع، بل تحولت إلى مغناطيس للصواريخ الإيرانية ومبرر لاستهداف المدن الخليجية، كما أن أي تصعيد جديد سيعني حتمًا ارتفاعًا إضافيًا في أسعار التأمين والشحن، وتراجعًا في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي انخفضت أصلًا إلى دول مجلس التعاون بنسبة 18 بالمئة خلال ربع التصعيد الأخير، وهروبًا لرؤوس الأموال الساخنة التي تبحث عن الاستقرار.

الحقيقة الاقتصادية والسياسية التي كشفتها تلك الحرب هي أن الولايات المتحدة جلبت للمنطقة دمارًا وخرابًا بذريعة الحماية، فهي لم تقض على البرنامج النووي، ولم تحرر مضيق هرمز، ولم تحمِ حلفاءها الخليجيين، بل خلقت سوقًا سوداء للمخاطر، ورفعت فاتورة الدفاع الخليجية التي تجاوزت 128 مليار دولار في عام 2024 وحده، وأعادت المنطقة إلى مربع عدم اليقين، وبالتالي فإن أي مغامرة أميركية جديدة ضد إيران لن تكون حربًا أميركية إيرانية محدودة، بل ستكون حربًا على استقرار الخليج ومشاريعه التنموية ومطاراته وموانئه واقتصاداته، وستدفع ثمنها دول الخليج من أمنها ومدنها وميزانياتها، بينما تكتفي واشنطن بإدارة الأزمة من وراء المحيط.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.