: آخر تحديث

كافي يا جماعة

7
7
5

من المحتمل أن تتعرض إيران لضربة، أو ضربات تضطر قيادتها إلى القبول بما ترفضه اليوم. ومن المحتمل أيضًا أن تتسع المواجهة إلى حرب إقليمية لا يعرف أحد كيف ستنتهي، ولكن العراق قد يكون إحدى ساحاتها.

عندئذ سيصبح أخطر ما يمكن أن يحدث له ولشعبه هو أن يقرر زعماء فصائل مسلحة عراقية أن يفتحوا جبهة العراق لإعانة الجارة إيران على أعدائها.

وهنا نضع أمام قادة هذه الفصائل أربع ملاحظات تستحق التأمل.

أولًا وقبل كل شيء، نريد أن نقول لكم إنكم إخوتنا وأبناؤنا، وإن دماءكم غالية علينا، ولا نريد أن يمس أحدكم سوء. فلا تظنوا أن اختلافنا معكم في السياسة يعني أننا لا نحبكم، أو لا نخشى عليكم من مصير لا نتمناه.

ثانيًا، إذا اعتقدتم بأن ما لديكم من صواريخ وطائرات مسيّرة ومقاتلين قادر على تغيير مسار الحرب، ومنع الجيش الأميركي من استهداف القدرات العسكرية الإيرانية، فقد تكونون واهمين.

وثالثًا، إذا كنتم تراهنون على أن خسارة دونالد ترامب معركته الانتخابية ستجعله أكثر عجزًا في التعامل مع إيران، فإنكم تراهنون على احتمال غير مضمون. فقد تدفعه الخسارة السياسية إلى مزيد من التصعيد، وليس من الحكمة أن تجعلوا مصير شعبكم رهينة لتوقعات غير مؤكدة.

ولنا في التاريخ القريب دروس كثيرة. فصدام حسين لم يسقط لأنه كان يفتقر إلى السلاح أو المال أو الأجهزة الأمنية، بل كان من أسباب سقوط نظامه قلة صبره وضعف قدرته على قراءة الواقع وتقدير موازين قوته وقوة خصومه.

وثالثها أنكم سوف تتطوعون لدخول معارك مع أعداء كثيرين، محليين عراقيين، وعرب ومجاورين، وأطراف خارجية لا تعلمون كيف تجمّعوا لمحاربة دولة واحدة هي إيران.

وأسامة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي، وأبو بكر البغدادي، كلٌّ في ظروفه المختلفة، اعتقدوا أن القوة المسلحة والعقيدة القتالية تكفيان لفرض إرادتهم على الآخرين، لكن تجاربهم انتهت إلى نتائج كارثية على تنظيماتهم والمجتمعات التي اتخذوها ساحات لصراعاتهم.

والقاسم المشترك بين هذه التجارب ليس وحدة العقيدة أو الظروف، بل تضخم الثقة بالنفس، والاستهانة بالخصوم، والاعتقاد بأن الإرادة وحدها تستطيع التغلب على موازين القوى.

ورابعًا، أن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من الأراضي العراقية على السعودية والأردن والكويت وغيرها من دول الجوار، أو استهداف ما تبقى من المصالح والمنشآت الأميركية في العراق والمنطقة، قد يحوّل العراق من بلد عاجز عن تحمل متاعب أخرى مضافة إلى متاعبه الأخرى العديدة. وقد تعرضون منشآته ومصالحه الحيوية لأضرار جسيمة، ولتدهور علاقاته مع جيرانه، ولتحميل مواطنيه عواقب قرارات ليس في إمكانه دفع أثمانها.

وهنا يبرز سؤال ينبغي أن يشغل العراقيين: ماذا سيحدث لكم وللعراق إذا استدارت ماكينة القتل الأميركية والإسرائيلية، وربما العربية المجاورة، فجعلتكم أول أهدافها لحرمان القيادة الإيرانية من آخر أذرعها المسلحة؟

وهنا مصدر قلق آخر ينبغي لكم أن تضعوه في الحساب. فليس كل من يحمل السلاح في أيام السلم مستعدًا لحمله حين يصبح الموت احتمالًا حقيقيًا. وقد يكتشف هؤلاء القادة، إذا اندلعت مواجهة واسعة مع الولايات المتحدة، أن أعدادًا ممن كانوا يحسبونهم مقاتلين أشداء قد تبخرت عند أول اختبار.

ولنا في التاريخ العراقي أمثلة تستحق التأمل، من المقاومة الشعبية عام 1959، إلى الحرس القومي عام 1963، وصولًا إلى فدائيي صدام وقطاعات من الحرس الجمهوري عام 2003. ومع اختلاف ظروف هذه التشكيلات وأسباب تفككها، فإن تجاربها تذكرنا بأن كثرة المسلحين وضجيج الشعارات واستعراض القوة لا تضمن الصمود حين تتغير موازين القوى.

فلا تراهنوا على أن كل من يتقاضى راتبًا من فصائلكم سيقاتل حتى الموت دفاعًا عن إيران وعنكم. فقد يختار بعض من تعتمدون عليهم اليوم العودة إلى بيوتهم وأطفالهم بدلاً من خوض حرب لا يرون فيها مصلحة لوطنهم أو مستقبلًا لعائلاتهم.

إن إيران دولة كبيرة، لها شعبها ومؤسساتها ومصالحها، وقيادتها مسؤولة عن خياراتها ونتائجها. وليس من واجب العراقيين أن يدفعوا من دمائهم وأرزاقهم وأمن أبنائهم ثمن قرارات لم يشاركوا في اتخاذها، ولا يملكون القدرة على دفعها.

لقد دفع العراق من دماء أبنائه وثرواته واستقراره ما يكفي خلال عقود طويلة من الحروب والحصار والاحتلال والإرهاب والصراعات الداخلية.

وإذا كنتم تبحثون عن بطولة، فإن أشجع قرار بطولي يمكن أن تتخذوه هو رفض الزج بوطنكم في حرب لا مصلحة له فيها.

حان وقتنا لنقول لكم بمودة وأخوة، كافي يا جماعة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.