سيل من الصور يتدفق منذ مظاهرات التلاميذ في فرنسا وأحداث الشغب التي أفسدتها. دخل الذكاء الاصطناعي على الخط وما عاد المشاهد يعرف الصورة الحقيقية من المزيفّة. رأينا شباباً يقومون بتعرية عجوزين، امرأة ورجل، ويسخرون منهما. ولم يكن المرء محتاجاً سوى لذكائه الطبيعي لكي يدرك أن المشهد كلّه مفبرك. هناك، في كلّ حريق من يصبّ الزيت على النار.
لاحظ كثيرون أن المتظاهرين من تلاميذ المدارس في فرنسا هم من ذوي البشرات السمراء والسوداء. كتبوا منشورات وتعليقات بهذا المعنى في الصحف ومواقع التواصل. لم تلفت انتباههم صور اليوم التالي. عندما نزل، مع الفجر، الآلاف من عمال النظافة وسائقي شاحنات القمامة لكي يجمعوا الحطام وينظفوا الشوارع من شظايا الزجاج وآثار التخريب. كنسوا فوضى اليوم الرهيب السابق.
غالبية هؤلاء العمال من أصحاب البشرات الداكنة. مهاجرون عرب وأفارقة. أرباب عائلات تركت أوطانها طلباً للأمان واللقمة الكريمة. قد يكون لبعضهم أبناء بين المتظاهرين الفوضويين. لكن من غير المنطقي وضع كل أبناء المهاجرين في سلّة واحدة. هناك اليوم جيل جديد لا يشبه جيلاً. جيل مولود في فرنسا ويحمل جنسيتها. جاء أجدادهم إليها بعد الحرب الثانية. ساهموا في بناء مدنها وتشييد أبراجها ورصف حجارة شوارعها. رحل منهم من رحل دون أن يحطم واجهة أو يحرق بلدية أو يُقتاد للتحقيق في مركز للشرطة.
من الذي نهب وحرق؟ دعنا من نظرية المؤامرة. لكن ما يحدث في فرنسا لم يحصل بالمصادفة ولا بحكم التغيّر الطبيعي للمجتمعات. لا يولد الإنسان مُتطرفاً متعطشاً لخرق القوانين. هناك من يؤجّج شعلة التمرد. حركات سياسية من الداخل وجماعات متشددة من الخارج. وفضائيات تحرث في التربة الخصبة التي مهدتها الأزمات العالمية ومآسي حرب غزّة. من يزرع الريح يحصد العاصفة.
أقرأ كتاباً جميلاً بعنوان «ويش مدام». تروي فيه المؤلفة بأسلوب يجمع ما بين الفكاهة والمأساة، تجربتها كمعلمة للغة الفرنسية في مدرسة جلّ تلاميذها من أبناء المهاجرين. و«ويش» لفظة جزائرية عامية يستخدمها أولئك الشبان للتحية بمعنى «مرحباً» أو «كيف الحال». وهي واحدة من كلمات عربية عديدة فرضت نفسها على لغة الشارع ودخلت القواميس، منها «كيف كيف» و«شويّة» و«إن شاء الله» وعبارة القَسَم «والله».
المؤلفة هي مريم ماير. أطلق التلاميذ عليها لقب «معلمة اللغات الميتة» لأنها تعطي دروساً في اللغتين اللاتينية والإغريقية. تقترح عليهم صيغاً مهذبة للتعبير عن الغضب بدل الشتائم المكشوفة. يسخرون منها لأنهم لا يريدون التحدث مثل «الفرنسيين المتعجرفين».
شبان الضواحي واقع فرنسي عريض أسيء التعامل معه. متروك للإهمال والبطالة والفشل الدراسي. قال السياسي المتطرف إريك زمّور إن انتشار مفردتي «ويش» و«والله» استعمار لغويّ وثقافيّ. وقيل إن قانوناً صدر بفرض غرامة مالية على كل تلميذ يستخدمهما في المدارس. ما أكثر المزايدات في خريف الغضب.

