عند سرعة 161 كيلومترًا في الساعة، اصطدمت بعض المسيّرات الأوكرانية بحدود القوة التي تستطيع كييف استخدامها. انقطع الاتصال، وتعطّلت مهمات، واضطر الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى المطالبة باستعادة خدمة تتحكّم بها جهات خارج بلاده.
اختصرت أزمة ستارلينك مأزق الجيش الأوكراني، الذي يعتمد في عمليات حساسة على تكنولوجيا أميركية يمكن لتقييدها أن يشلّ جزءًا من قدراته خلال دقائق.
وتقدّم الأزمة صورة ملموسة عن الدور الأميركي في الحرب على روسيا. فواشنطن حاضرة في الاتصالات التي تحتاج إليها وحدات أوكرانية، والمعلومات التي تنذر بالصواريخ الروسية، والأسلحة التي تتيح مواصلة القتال. ومن خلال هذه الوظائف، تدخل المساهمة الأميركية في تنفيذ العمليات وحماية القوات، وتمنح واشنطن نفوذًا واسعًا على قدرة كييف على الحرب.
وكشف زيلينسكي بعد ذلك مقدار الضرر الذي أصاب قواته، بعدما فُرض سقف لسرعة حركة المسيّرات الحاملة لأجهزة الاتصال يبلغ نحو 161 كيلومترًا في الساعة، تنقطع عند تجاوزه صلتها بمشغّليها. وبحسب روايته، عطّل هذا القيد قدرة المسيّرات الاعتراضية على ملاحقة المسيّرات الروسية النفاثة، وطاولت تداعياته عمليات إيصال الغذاء والمياه إلى الجنود في المواقع الأمامية. وشملت القيود خدمات عسكرية مرتبطة بمنظومة ستارشيلد، فيما استمرت خدمات أخرى لشبكة ستارلينك، لكن التعطيل الجزئي كان كافيًا لاستنفار القيادة الأوكرانية.
قدرات أوكرانية تحت رحمة المشغّل
دفعت الوحدات العسكرية ثمن اعتمادها على الشبكة قبل أن تتلقى تفسيرًا لما حصل. ففي 14 تشرين الأول (أكتوبر)، أعلن المستشار الرئاسي سيرهي بيسكريستنوف أن القيود فُرضت بلا تحذير مسبق، وتسبّبت بتعطيل مهمات. وأفادت وحدات بأن انقطاع الاتصال خلال الرحلات صعّب التحكّم بالمسيّرات وأجبرها على إلغاء عمليات.
هنا تظهر هشاشة جانب من القوة التي بنت عليها كييف رهاناتها العسكرية. فقد وسّعت إنتاج المسيّرات واستخداماتها، وربطت بعض وظائفها بخدمة خارجية يصعب تعويضها سريعًا. وبات تعديل شروط الاتصال قادرًا على تعطيل ثمرة الإنفاق والتدريب والتطوير. امتلاك المسيّرة، في هذه الحال، يمنح الجيش قدرة قتالية معلّقة على استمرار الخدمة التي يشغّلها طرف آخر.
وتكشف طريقة فرض القيود حجم الاختلال في هذه العلاقة. فالقوات التي تعتمد على المنظومة في القتال فوجئت بتغييرات أصابتها أثناء تنفيذ المهمات. وانتقلت القيادة الأوكرانية إلى البحث عن تفسير وطلب المعالجة، بعدما تضرّرت عملياتها فعلًا. وفي ذلك دلالة قاسية على موقع كييف داخل شبكة الدعم التي يقوم عليها صمودها.
ولمعرفة سبب القيود، أرسلت أوكرانيا أجهزة إلى دول أوروبية، حيث عملت، وفق زيلينسكي، أثناء الحركة بسرعات أعلى من السقف المفروض داخل بلاده. ووصف الرئيس الأوكراني ما يجري بأنه "عملية مخطّطة". ونفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسؤولية إدارته عن تعطيل المنظومة.
وكان إيلون ماسك، مالك سبايس إكس، قد قدّم في آذار (مارس) 2025 تقديرًا بالغ الحدّة لهذا الاعتماد، حين أكد أن الجبهة الأوكرانية بأكملها ستنهار إذا أوقف ستارلينك. وتُظهر الأزمة الأخيرة مدى حساسية القوات الأوكرانية لأي قيود على الخدمة، وتمنح صاحبها وسيلة ضغط يدرك زيلينسكي تبعاتها جيدًا.
واشنطن توفّر شروط القتال وأوروبا تموّله
ويمتد الارتهان إلى المعلومات الاستخبارية. فقد أعلن زيلينسكي، قبل أيام، استئناف تبادل المعلومات الأميركية المتعلقة بالتهديدات الصاروخية الروسية، بعد توقف قال إنه استمر لفترة، ووجّه الشكر إلى واشنطن. وتوضح حاجة كييف إلى هذه المعلومات مقدار اعتماد دفاعاتها على قدرات الرصد والإنذار الأميركية.
وتتحمّل أوروبا بدورها قسطًا أساسيًا من كلفة استمرار الدولة والجيش، عبر التمويل والسلاح والتدريب ودعم الصناعة الدفاعية. ووفق وثائق الاتحاد الأوروبي، يستهدف إطار الدعم لعامَي 2026 و2027 تغطية نحو ثلثَي احتياجات أوكرانيا التمويلية، بما يشمل الموازنة والاستثمار الدفاعي وشراء المعدات العسكرية. وهي نسبة تكشف عمق اعتماد كييف على الأموال الخارجية لتأمين احتياجاتها خلال الحرب.
بهذا المعنى، تشارك الولايات المتحدة وأوروبا في مواجهة روسيا عبر تمكين الجيش الأوكراني من مواصلة القتال. تتحمّل القوات الأوكرانية أعباء المعارك وخسائرها البشرية، وتتوقف جوانب أساسية من قدرتها العملياتية على ما يوفّره الغرب. ويصعب فصل أداء هذه القوات عن الاتصالات والمعلومات والأسلحة والتمويل الذي يصلها من حلفائها.
وقد أقرّ زيلينسكي نفسه، في مقابلة مع شبكة إن بي سي في شباط (فبراير) 2025، بأن فرص بلاده في البقاء ستكون ضئيلة من دون الدعم الأميركي. وجاءت أزمة ستارلينك لتشرح هذا الإقرار بالممارسة. تقييد خدمة واحدة أربك مهمات، وأضعف وسائل اعتراض، واستدعى اتصالات على أعلى المستويات لاستعادة القدرة على استخدامها.
تكشف هذه الوقائع مقدار القوة الغربية التي تستند إليها كييف في مواجهة موسكو، وتضع خطاب استقلال قرارها العسكري أمام مأزق واضح. فواشنطن تملك، عبر خدماتها وتقنياتها وإمداداتها، تأثيرًا مباشرًا في قدرة الجيش الأوكراني على العمل. وتعرف القيادة الأوكرانية أن أي خلاف معها قد يصل سريعًا إلى الجبهة، حيث يحتاج الجنود إلى اتصال، والمسيّرات إلى توجيه، والدفاعات إلى إنذار. تلك هي حدود القوة الأوكرانية التي كشفتها ستارلينك، وحدود القرار الذي تستطيع كييف اتخاذه وحدها.


