: آخر تحديث

لم تعد تقرأ انتقاداتي

6
6
4

بالرغم من أهمية الغرف من مناهل النقد على اختلاف فروعه ومشاربه، إلا أن تعاظم الكتابات والمنشورات اليومية في وسائل التواصل الاجتماعي التي تتعلق بالنقد السياسي والنقد الاقتصادي والنقد التجاري والنقد السياحي والنقد الثقافي والنقد الاجتماعي، في كل مكان، كل موضع، كل منصة، كل مناسبة، وكل زاوية، يدفع المرء إلى الانصراف عنها، بدلاً من الاستفادة منها والاستمتاع بما ورد فيها، لذا فكلما صادفتُ أحد المنهمكين باستمطار الدمامة حتى ولو كان الطقس خاليًا من غيوم البشاعة، أي أحدًا من أولئك الحائمين طوال اليوم في فلك المعايب، والمهووسين بالاعتراض على كل ما لا يتوافق مع أهوائهم، والراكضين في مضامير مغلقة لا يرى الراكضُ منهم إلا الأشياء المرسومة على جدران تصوراتهم، حال واحدهم حال مَن لا يرى المناظر إلا بعين واحدة طالها الغبش ولا تقدر عدسته الشخصية على رؤية المشهد أو المنتَج إلا وهو في تمام علته، لذا فكلما تعثرتُ بتلك النماذج الاعتراضية أو ارتطمتُ بمنشوراتهم الانتقادية رأيتُ أن كلام مارجريت تاتشر: "لو رآني نقَّادي أسير فوق مياه التايمز لقالوا إني فعلت ذلك لأني لا أجيد السباحة" مناسب جدًا لمقامهم الخالي من الإنصاف والمحروم من التوقير.

ولعل الجواب الملائم على سؤال أحدهم عندما يقول: لماذا لم تعد تقرأ انتقاداتي؟ هو كالآتي:

لأن التورم الانتقادي لديك يدفعني للنفور من مكتوباتك، كما أن إسهابك في عرض المقابح يدفع المتلقي إلى التخمين بأن المنتج الموضوع على مشرحة الناقد/القصَّاب خالٍ من جنس المحاسن، وأن المادة المهيأة للتشريح تقرِّب القارئ من مشهد اللَّحام الذي يباشر بتقطيع أوصال الضحية، وليس عاملًا على التنوير فيأخذ بيد المتلقي إلى مكامن الجمال الذي خفي عنه أثناء القراءة.

وهل من الخطأ أن ننتقد؟

لا طبعًا، ولكن لا ينبغي أن يكون الكلام الذي يُقال عن الشيء أضخم عشرات المرات من الشيء نفسه، ومن المفروض ألا يكون حديثنا بمثابة القبة العظيمة بينما الذي نتحدث عنه بمقدار حبّة العدس، وينبغي ألا نستسهل عملية التقييم لدرجة أن الذي لا يعرف القراءة والكتابة ولا يجيد الرؤية لا يجد أي حرج في مباشرة الانتقاد على الملأ طالما أن عشرات الأوادم من مقامه مهدوا له سكة تثمين الأشياء، كما أنه ليس من المعقول أن نصبح كلنا مِن حَملة كاميرا تصوير الحدث ولا نجد مَن يصنع الحدث، فهنا نحن نصنع المشكلة بدلاً من تقديم الحلول.

فليس من المقبول أن نباشر مجتمعين بعملية الرصد بينما المرصود لا يستدعي كل هذا الحشد البشري من محبي التقفي والتحري، فأن نغدو بفضل السوشال ميديا جميعًا قوَّالين، فمن الذي سيُنصِت إلى الأقوال؟ ومَن الذي سيعمل على الأرض بناءً على ما تلقفه؟ ومَن الذي سيتولى دور القائم بالأفعال في الميدان؟

وهل نكف عن مزاولة النقد برأيك؟

لا طبعًا، إنما فليكن الموجود الذي نتكلم عنه أكبر من التخيلات المتعلقة به، وليكن فعلهم/فعلنا/فعلك مساويًا لنقدك، وألا يقل جهدك العملي عن تنظيرك، وألا يكون منتجك أقل قيمة من المنتج الذي تتولى الحديث عنه، كما أنه من الأخطاء الجسيمة لدى المعني بالإصلاح من خلال طرح ملاحظاته أنه يُراقب كل الناس وينسى ما هو أولى به، أي مراقبة نفسه وما تقترفه أناه، علمًا أن الإصلاح العام ينطلق من عتبة الذات ومن ثم يستهدف ميدان الذوات.

وفي الأخير، فحتى لا يكون الجالسون على المنصة أكثر بكثير من الماكثين في القاعة، يطيب لي إيراد المثل الكردي:

Tu Bêjî Ez Axa û Ez Bêjim Ez Axa Kiyê Pez Bibe Nav Baxa.

أي بما معناه: أنا الآغا تقول، والآغا هو أنا حين أقول، فمن الذي سيأخذ قطيع الماشية إلى الحقول. فأن نتحول كلنا إلى مشاهدين، فمن هو المُشَاهَد أو المَشهد الذي سنرصده معًا؟ وأن نغدو جميعًا صُنَّاعًا للمحتوى، فمن الذي سيكون في مقام ذلك المحتوى؟ وأن نكون بالجملة مراقبين على العمل، فمن الذي سيعمل؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.