ليس أخطر ما تواجهه المنطقة العربية اليوم امتلاك إيران مشروعًا إقليميًا واضح المعالم فحسب، بل أن يقابله غياب رؤية عربية موحدة قادرة على احتواء مخاطره. وبين التردد في المواجهة والخشية من كلفة التصعيد، تتحرك طهران، وتختبر حدود خصومها، وتستثمر الثغرات السياسية والأمنية التي يتيحها انقسامهم.
وتكشف التجارب أن النظام الإيراني لا يقرأ التردد العربي بوصفه رغبة في السلام دائمًا، بل قد يراه فرصة لتوسيع نفوذه. فعندما تتناقض المواقف، وتبقى الإدانات بلا نتائج عملية، يتحول الفراغ السياسي إلى مساحة يستثمرها الطرف الأكثر استعدادًا للتحرك.
وقد أعادت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي طالت دولًا خليجية والأردن خلال عام 2026 طرح هذه المعضلة بقوة. فالتصعيد الذي استهدف أراضي دول عربية وهدد منشآت للطاقة وتحلية المياه والموانئ والمطارات كشف أن المخاطر لم تعد افتراضية، بل أصبحت تمس أمن الدول وحياة سكانها واستقرار المنطقة. وأكد مجلس التعاون الخليجي أن أمن دوله مترابط، وأدان استمرار الهجمات على أراضي دوله والأردن.
لكن السؤال الذي يتجاوز الإدانة هو: هل يملك العرب سياسة تحول دون تكرار هذه الهجمات، أم سيظلون يكتفون بالتعامل مع نتائجها؟
إن النفوذ الإيراني لا يقوم على التحرك العسكري المباشر وحده، بل يستند أيضًا إلى شبكة من العلاقات وأدوات التأثير في دول تعاني ضعف مؤسساتها أو انقساماتها الداخلية. وحين تصبح الدولة عاجزة عن احتكار قرارها الأمني، تنشأ مساحات تسمح لقوى خارجية بالتأثير في توجهاتها، وقد يتحول النفوذ تدريجيًا إلى واقع يصعب تغييره.
ويقدم اليمن مثالًا بالغ الدلالة. فقد أظهرت التطورات المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب كيف يمكن لجماعة مسلحة حليفة لطهران أن تؤثر في أمن الملاحة الدولية وتتجاوز تداعيات تحركاتها حدود الدولة اليمنية. وهكذا تصبح أزمة دولة عربية جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، بينما يدفع سكانها ثمن استمرار الصراع.
المشكلة، إذن، ليست في إقامة علاقات دبلوماسية مع إيران، ولا في السعي إلى تجنب الحرب، فالحوار ضرورة، والتصعيد العسكري ليس غاية في ذاته. المشكلة تبدأ عندما يصبح تجنب الحرب هدفًا منفصلًا عن حماية السيادة، وعندما يتحول الحوار من وسيلة لمعالجة أسباب الأزمات إلى مجرد أداة لاحتواء نتائجها المؤقتة.
فالدبلوماسية الفعالة تحتاج إلى موقف واضح، والتهدئة المستدامة تتطلب ضمانات، والسلام لا يستقيم إذا فُهم باعتباره فرصة لاستمرار التهديد. ومن دون توازن بين الحوار والردع، قد يتحول الحرص على الاستقرار إلى عامل يشجع على اختبار حدوده.
ولا يحتاج العرب إلى إعلان حرب على إيران، بل إلى إعلان مبدأ لا لبس فيه: السيادة العربية ليست مجالًا للمساومة، وأمن الخليج لا ينفصل عن أمن العراق واليمن وسوريا ولبنان والأردن. فتهديد دولة عربية لا ينبغي أن يعامل باعتباره شأنًا محليًا معزولًا، لأن تداعياته قد تمتد إلى المنطقة بأسرها.
ويتطلب ذلك بناء رؤية عربية طويلة الأمد، تقوم على تنسيق المواقف السياسية، وتعزيز التعاون الدفاعي، وحماية الملاحة والمنشآت الحيوية، ودعم مؤسسات الدولة في البلدان العربية التي تعاني الانقسام. كما يتطلب منع استخدام الأراضي العربية منطلقًا لتهديد دول أخرى، مع إبقاء أبواب الحوار مفتوحة على أساس احترام السيادة ومصالح الشعوب.
لقد أدركت طهران أهمية استثمار التباينات الإقليمية، فيما ظلت المواقف العربية متفاوتة في تقدير المخاطر وسبل التعامل معها. وعندما تنشغل كل دولة بأمنها منفردة، تصبح مواجهة التحديات المشتركة أكثر صعوبة، وتزداد قدرة القوى الإقليمية على التأثير في مسارات الأزمات.
ولهذا، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا هو: ماذا تريد إيران من المنطقة؟ فسياساتها الإقليمية تقدم شواهد كافية على طموحها إلى توسيع نفوذها. السؤال الأهم هو: ماذا يريد العرب من منطقتهم، وكيف يحمون حقهم في تقرير مصيرها؟
فإذا كانت طهران تتحرك وفق حسابات استراتيجية طويلة الأمد، فلا يكفي أن تظل السياسة العربية أسيرة ردود الفعل الآنية. إن غياب المبادرة لا يحافظ على الوضع القائم، بل قد يسمح بتغييره على حساب المصالح العربية.
فالسيادة العربية لا تضيع يوم تهزم الجيوش فحسب، بل قد تتآكل أيضًا حين تعتاد العواصم العربية أن ترى انتهاكها يتكرر ولا تفعل شيئًا.


