: آخر تحديث

نحن والحرب العالمية الاقتصادية

5
5
4

نعيش اليوم مرحلة انتقالية حاسمة، يتحول فيها العالم من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب، تتشابك فيه المصالح وتتصاعد الصراعات. فما نشهده ليس حرباً عالمية بصورتها التقليدية؛ حيث لم تُعلَن التعبئة العامة بين الأقطاب، ولكن المواجهة قائمة، وأبرز أسلحتها الاقتصاد والتكنولوجيا.

في الحربين العالميتين الأولى والثانية، كان الاقتصاد يدعم الجيوش بالتمويل والتسليح. أما اليوم، فقد أصبح هو نفسه سلاحاً تُخاض به المعارك، بالتوازي مع تقدم تقني أعاد تشكيل مصادر القوة.

فالمطارات والطرق والمستشفيات والبنوك لم تعد مجرد بنى تحتية تقليدية؛ بل أصبحت مرتبطة بمنظومات رقمية يزداد اعتمادها على الذكاء الاصطناعي. ومن هنا، فإن التنافس على هذه التقنية هو تنافس على إدارة الاقتصاد والبنية التحتية ومنظومات التسليح، وربما اختراقها والتحكم فيها مستقبلاً.

ولهذا تبرز أهمية ما طرحه الرئيس الصيني شي جينبينغ، خلال لقائه الرئيس الأميركي ترمب، بشأن إدارة التنافس في الذكاء الاصطناعي، للحد من هذا السلاح الجديد الصاعد وبسرعة. ولا أبالغ إذا قلت إنه التقنية النووية الجديدة.

ومن هنا تأتي أهمية إدارة التنافس على غرار الحد من التسلح النووي، إبان الحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفياتي.

وفي مجال هذا الذكاء، فإن للصين نموذجها، ولأميركا كذلك، بينما تسعى أوروبا إلى بناء استقلال تقني يحد من اعتمادها عليهما، وهو التوجه الذي عبَّر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من منبر الأمم المتحدة، محذراً من انفراد القوتين بتقنية مؤثرة في مستقبل العالم.

أما الدول الأخرى، فستجد نفسها أمام خيارات: إما الانحياز إلى أحد هذين النموذجين، وإما المزج بينهما، وإما تطوير قدرات وطنية -ولو محدودة- لحماية سيادتها.

لقد غيَّر التقدم الصناعي والتكنولوجي وتشابك الاقتصادات طبيعة الحروب. ومع استمرار المواجهات الجانبية، يخشى بعض المحللين انزلاق العالم إلى حرب كبرى، قد يشعلها خطأ يخرج بالأحداث عن السيطرة.

لكنني أرجِّح حرباً باردة، بثلج التقنية والاستنزاف الاقتصادي، أكثر من مواجهة عسكرية شاملة.

وفي المقارنة بين الصين وأميركا، ينبغي ألا نكتفي بالسؤال: من الأقوى اليوم؟ بل أن نسأل أيضاً: من الأسرع نمواً والأقدر على تعزيز قوته مستقبلاً؟

أميركا هي الأقوى حالياً... ولكن الصين -في تقديري- تتحرك بوتيرة أسرع في الاقتصاد والتقنية. ومع ما أراه من ثغرات في بنية الاقتصاد الغربي وممارساته الرأسمالية والديمقراطية التي تتوسع ثقوبها مع الزمن، تبدو الصين مرشحة لتعزيز موقعها.

غير أن صعود الأمم وتراجعها لا يحدثان فجأة؛ بل تدريجياً، كتداخل الليل والنهار؛ وهي الفكرة التي أستحضرها من مقدمة ابن خلدون. وقد يستغرق هذا التحول سنوات، ولكنها ليست بعيدة المدى في تقديري.

أين نحن؟

هنا يحلو لي أن ألتقط خيطاً تقنياً يقودني إلى الاطمئنان إلى أن وطني يتحرك ببوصلة ذكية، تواكب متغيرات العصر واضطراباته.

وقد عزز اطمئناني إعلان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، أن عام 2026 هو عام الذكاء الاصطناعي؛ لما يحمله ذلك من إدراك لأهمية التقنية في بناء القوة وإدارة صراعات المستقبل.

وتستمد المملكة قوتها من الله -سبحانه وتعالى- ثم من اقتصاد وثروة يتيحان فرصة ذهبية يجب استثمارها دون تراخٍ. وفي هذا السياق، تأتي الإجراءات الرامية إلى الحد من الهدر وتقليل الاتكال على الدولة، وتشجيع المواطن على الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج.

وأرى أن هذه الإجراءات والقرارات المالية عززت قدرتنا على مواجهة الأزمات، بما فيها نقص الإمدادات النفطية، ودعمت صمود الاقتصاد أمام التقلبات.

إن الجمع بين الوعي التقني، والإصلاح الاقتصادي، والمواطن المنتج، يمنحنا أسباباً للاطمئنان إلى قدرة المملكة -بإذن الله- على تجاوز الاضطرابات، واحتلال موقع متقدم بين الأمم، والمشاركة في تشكيل النظام العالمي الجديد، لا الاكتفاء بالتأثر به.

حفظ الله وطننا وقيادته من كل مكروه.

* رجل أعمال - نائب رئيس مجلس أمناء منتدى الرياض الاقتصادي سابقاً


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد