من عصيان أوامر الحكومة إلى تحذير من انقلاب وشيك، نتابع مع مذكرات شكري القوتلي كيف توالت إشارات الخطر:
«انزعج جميل بك من هذا التصرف، وكان رحمه الله سريع الغضب والانفعال، ولكن الأمر الأهم بالنسبة إليه كان تأديب المتظاهرين المتجمهرين على باب داره. أمر فوزي سلو بإحضار قوة ضاربة لإنهاء المظاهرة، وسأله عن سبب عدم مجيء حسني الزعيم إلى الاجتماع، فكان جوابه أن الزعيم يعاني من وعكة صحية ألمّت به، وهو طريح الفراش في داره. سأله جميل بك: «هل يمكنك أن تأتي بقوة من الجيش لمساعدة الشرطة ورجال الدرك للإحاطة بالمتظاهرين ومنعهم من التخريب؟». ردَّ عليه العقيد سلو: «ليس بإمكاني أن أفعل ذلك، نظراً لأنَّ حسني الزعيم مريض». نفد صبر جميل بك عند سماع هذا العذر وقال بغضب: «حتى لو كان مريضاً؟ عجيب أمركم أنتم العسكر. ألا يمكنك أن تبلغه بإرسال قوّة عسكرية؟ أو أن تقوم أنت بذلك؟». طبعاً، لم يرسل فوزي سلو القوّة المطلوبة، وكانت هذه الحادثة سابقة خطيرة في تاريخ الجيش السوري الوليد، أن يعصي ضابط أوامر وزير الدفاع ورئيس الوزراء.
بعد أسبوع من هذه الحادثة، جاءني الضابط الطبيب عزت الطبّاع في منتصف ليلة 12 شباط (فبراير) 1949 وقالَ لي: «أعتذر عن حضوري في هذا الوقت المتأخر، ولكن لديَّ أخبار من واجبي أن أطلعك عليها».
قلت: «ما الخبر؟».
قال: «حسني الزعيم توجّه منذ ساعة إلى القنيطرة، وهو يستنفر الجيش للقيام بانقلاب ضدك، ومعه عدد من الضباط، من بينهم المقدم أديب الشيشكلي، والعقيد سامي الحناوي...». قلت له: «ما أظن ذلك». قال: «أرجو أن تسأل عن حسني الزعيم أين هو الآن».
طلبت الزعيم على الهاتف، فقيل لي إنه غير موجود في المنزل. سألت عنه في القنيطرة فقالوا إنَّه لم يصل إليها بعد، فانتظرت قليلاً وسألت عنه مرة ثانية، فأجابني هو هذه المرة، وكان في صوته ولسانه كثير من الثقل، ما أثبت قول الدكتور الطبّاع بأنَّه شرب كثيراً من الخمر قبل التوجه إلى مركز القيادة العسكرية في القنيطرة.
قلت للزعيم: «أين أنت يا حسني؟». قال: «أنا موجود الآن في القنيطرة، جئت لأفتش على بعض القوى العسكرية».
قلت: «أعتقد أنَّ الجو بارد كثيراً عندك». قال: «نعم». قلت له: «أريد أن أراك، احضر فوراً». قال: «لا يمكنني أن أفعل الآن يا فخامة الرئيس». قلت له: «لا بأس إن لم يكن الآن فغداً».
قبلت عذره لأنَّ الساعة كانت قد أصبحت الثانية بعد منتصف الليل، ولكنَّه لم يأتِ إلى مكتبي في صبيحة اليوم التالي، وبقي في القنيطرة. في هذه الأثناء، هاجم بعض النواب عدداً من الضباط في جلسة برلمانية، وعلى رأسهم حسني الزعيم، واتَّهموهم بالفساد والتلاعب بأمن الجيش ومقدراته وقوته اليومي. وقف وراء هذه الحملة نائب الزبداني فيصل العسلي، وقد أرسلت من يؤنّبه على أقواله، وقلت: «ما المعنى من إثارة هذه الحملة الآن؟ لا يجوز التهجم على الضباط بهذا الشكل». إلا أنَّ فيصل العسلي كان مندفعاً ولا يرتدع، ولا سيما أنَّه كان قد كوّن حزباً سمَّاه «الحزب التعاوني الاشتراكي»، وكان يريد من خلاله أن يجعل لنفسه مكاناً متقدِّماً في الحياة السياسية، وأن يحقق شهرة أمام من دخل حزبه من النواب، والمحامين، وبعض المرتزقة». إلى اللقاء.

