: آخر تحديث

من تيريز هلسا إلى طريقة في استنكار الجرائم الطائفيّة

4
5
2

حين ارتُكبت جريمة الكنيسة، في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنيّة، ظهرت استنكارات صادقة وجدّيّة، وظهرت استنكارات، أكثر منها كثيراً، يجوز وصفها بالمشروطيّة القوميّة والنضاليّة. فثمّة أصوات استهجنت عملاً كهذا فيما «الشعب والأمّة» يخوضان «صراعاً مصيريّاً مع العدوّ الصهيونيّ». والمعنى هنا أنّ الجريمة تغدو، في الحدّ الأدنى، عملاً مفهوماً وقابلاً للاستيعاب حين لا يكون «الشعب والأمّة» منخرطين في «صراع مصيريّ». في المقابل مالَ بعض المستنكرين إلى تعميم مزدوج: من جهة، صُوّر الضحايا بأنّهم تجسيد للوطنيّة الأردنيّة ولوحدة الأردنّ اللتين استُهدفتا، ومن جهة أخرى، ذُكر أنّ القتلة مجرمون تكفيريّون، وطبعاً «نحن جميعاً نقف صفّاً واحداً وسدّاً منيعاً في مواجهة التكفيريّين». والوصفان صحيحان، إلاّ أنّ الاقتصار عليهما يحجب الجريمة بوصفها قتلاً لأشخاص معيّنين قُضي عليهم لأنّهم بالضبط يحملون تلك الهويّة. كذلك ركّز آخرون استنكارهم على مسألة الاستحقاق، فقيلَ ما يفيد أنّ المنطقة والعائلة اللتين أنجبتا تيريز هلسا لا تستحقّان معاملة كهذه. وتيريز هلسا كانت انتسبت إلى «منظّمة أيلول الأسد» التابعة لـ»حركة فتح»، وشاركت عام 1972 في اختطاف طائرة بلجيكيّة إلى مطار اللدّ، كما نسب إليها رفاقها أنّها أطلقت النار على بنيامين نتانياهو وأصابته في كتفه. وهكذا فإنّ على العائلة والمنطقة المسيحيّتين اللتين لا تملكان تيريز هلسا أن تتدبّرا أمرهما بالحصول على تيريز هلسا ما. ذاك أنّ السيّدة المذكورة تغدو أقرب إلى قربان أو أضحية يُقدّمان من أجل استحقاق الحياة الآمنة. فكيف وأنّ المنطقة التي جاءت منها تيريز «قدّمت قامات فكريّة وأدبيّة قاتلت بالكلمة والسلاح، مثل الروائيّ والمفكّر غالب هلسا الذي شهدت له متاريس بيروت إبّان حصار 1982، والعلاّمة العروبيّ يعقوب العودات الهلسا، كما زخرت سجلاّت الجيش العربيّ بشهداء من أبناء حمود في حربي 1948 و1967». وإن لم يبدُ كافياً تكثير القرابين بهدف استحقاق الحياة الآمنة، جرى تكثير الزمن والتذكير بأنّ لهؤلاء السكّان «دورهم التاريخيّ في مناهضة سياسات التتريك، رفقة العشرات من المثقّفين والإعلاميّين والنقابيّين الذين رفدوا الحراك الوطنيّ واليساريّ والقوميّ في الأردن».

وبالتأكيد، وفي تداعٍ آليّ حرّ، يحضر الاستنكار المؤامراتيّ إيّاه، وهو أنّ «العمل جاء لضرب سجلّ [المنطقة] التاريخيّ الحافل بالوطنيّة والعروبة والمقاومة، وهو ما يؤشّر إلى البصمات الخفيّة والقوى المحرّكة لهذه الجماعات، وفي مقدّمتها الاحتلال»، فيما الأفعال هذه لا تخدم إلاّ الأعداء. وحجّة كتلك إنّما ترى الجريمة في «خدمة الأعداء» و»ضرب السجلّ الحافل بالعروبة» أكثر ممّا تراها في قتل مدنيّين أبرياء، كائناً ما كان مردود هذا القتل على «الأعداء» و»السجلّ».

وتنمّ أمثلة كهذه وسواها عن الإعضال الكبير في منطقتنا الذي لا يزال يتحكّم بمسألة الحقّ في الحياة الآمنة والمتساوية، لكنّها تنمّ أيضاً عن أنّ ما يُسمّى «قضايا وطنيّة وقوميّة» هي وحدها ما يمنح رخصة الحياة الآمنة والمقبولة. فعلى من يكون مختلفاً أن يتنصّل من اختلافه، ومن رأيه حين لا يتوافق الرأي مع الرواية النضاليّة المُجمَع عليها. والتنصّل هذا يتمّ عبر ديناميّات مختلفة في عدادها النفي الذاتيّ وإنكار واقع الطوائف، أو على الأقلّ التخفيف منه والتوكيد على الوحدة الجامعة بين «أخوة عاشوا لقرون معاً»، قبل أن تضلّلهم الرأسماليّة الغربيّة والمستشرقون ويجعلونهم طائفيّين، والعياذ بالله. ويُلحَظ، في هذا السياق، ذاك التفاوت بين إشهار التبايُنات الطبقيّة والجهويّة، ومؤخّراً الجندريّة، وأحياناً الإثنيّة، والتستّر الدائم على التباين الطائفيّ وكتمانه.

أبعد من هذا، يُفترض بالمسيحيّين العرب، بسبب أو لا سبب، أن يؤكّدوا «شرقيّتهم» وافتراقهم عن «المسيحيّة الغربيّة» ويتبرّأوا ممّا أتانا من الغرب «الصليبيّ» ثمّ «الإمبرياليّ»، وألاّ يكفّوا عن التذكير بأنّهم أنجبوا فارس الخوري وجول جمال والمطران كبّوجي، وقد أضيف إليهم مؤخّراً النائب اللبنانيّ الياس جرادي. أمّا إن كانوا دروزاً فعليهم بسلطان الأطرش، وإن كانوا علويّين فعليهم بصالح العلي، وهكذا دواليك.

والحال أنّ السبعينات اللبنانيّة كانت شهدت سكّ مصطلح «المسيحيّين الوطنيّين» الذي يصف مَن يقفون إلى جانب المقاومة الفلسطينيّة و»الحركة الوطنيّة»، بحيث تتولّى «وطنيّتُهم» إطفاء الشبهة المقيمة في مسيحيّتهم. وفي حربي 1967 و1973، درج أقباط مصريّون على تمنّي سقوط بعض الأقباط العسكريّين قتلى بما يُزيل عن الأقباط شبهة ضعف الحماسة للقتال، وتالياً النقص في وطنيّة أُريدَ اختزالها إلى قتال.

لكنْ إذا كان من أهمّ وظائف الاستنكار الجدّيّ الإفضاء إلى مراجعة فعليّة تمنع التكرار، فأوّل ما ينبغي الإقلاع عنه تلك العبارة السقيمة التي غالباً ما تتكرّر في الاستنكارات الرائجة: إنّ هذا العمل لا يمتّ بصلة إلى تاريخنا (أو أخلاقنا أو قيمنا). فهنا يسارع المستنكر إلى تبرئة النفس وتجنّب مواجهتها مُمعناً في إفراغ القضايا، التي يقول إنّه يرفعها، من القيم.

وهذه جميعاً علامات على ثقافة رائعة تُشَنّ الحروب على «سرديّتها» وعلى «ذاكرتها»، وليس سوى روعتها ما يفسّر هجرة الأقلّيّات المتعاظمة منذ عقود وفراغ المنطقة المناضلة منهم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد