: آخر تحديث

سعود بن عبدالمحسن.. حين تتحدًث مسيرة العطاء

6
6
4

عبدالله بن محمد آل الشيخ

ليست كل المشاهد التي تستوقفنا في المناسبات الرسمية بحاجة إلى كلمات كثيرة لتفسيرها: فبعضها يحمل من المعاني الإنسانية والوفاء والتقدير ما يجعلنا نتوقف عنده.. ونستعيد من خلاله مسيرة رجال أمضوا سنوات طويلة من أعمارهم في خدمة دينهم ومليكهم ووطنهم.

من هذه المشاهد ما استوقفني خلال استقبال صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لدولة رئيس وزراء اليونان حين لفت نظري والكثير ما بدا من حفاوة وتقدير في سلام سمو ولي العهد على صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبدالمحسن بن عبدالعزيز سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الجمهورية الهيلينية.

مشهد جميل في دلالاته أعاد إلى ذاكرتي مسيرة سمو الأمير سعود الذي عرفته مواقع المسؤولية المختلفة.. من العمل الإداري والتخطيط إلى إمارات المناطق وصولًا إلى العمل الدبلوماسي في رحلة امتدت عقودًا من الخدمة والعطاء.

ولعل من الإنصاف أن نتوقف بين حين وآخر عند سير رجال الدولة الذين خدموا وطنهم بصمت، وأن نستعرض للأجيال ما قدموه من جهود وتجارب.. فالتاريخ لا يُكتب بالمناصب وحدها وإنما بما يتركه أصحابها من أعمال وآثار وذكريات طيبة.

الأمير سعود بن عبدالمحسن واحد من هؤلاء الرجال.. بدأ سموه مسيرته العملية في مجالات الإدارة والتخطيط.. فتولى مسؤوليات في الهيئة المركزية للتخطيط.. ثم في وزارة الصحة قبل أن ينتقل إلى العمل في إمارات المناطق.. حيث عُيّن وكيلًا لأمير منطقة مكة المكرمة ثم نائبًا لأمير المنطقة، وهي مسؤوليات أكسبته خبرة واسعة في شؤون الإدارة المحلية والتعامل مع احتياجات المواطنين.

في عام 1420هـ، تولى إمارة منطقة حائل.. لتبدأ مرحلة امتدت قرابة ثمانية عشر عامًا.. ارتبط خلالها اسمه بالمنطقة وأهلها وبالعديد من المشروعات والمبادرات التنموية، إلى جانب رئاسته الهيئة العليا لتطوير منطقة حائل.. وحائل ليست مجرد موقع إداري في مسيرة سموه، بل منطقة عريقة بتاريخها ورجالها وكرم أهلها وأصالتهم.. وقد شهدت خلال تلك السنوات جهودًا في مجالات التنمية والخدمات وكان لسموه دور في متابعة احتياجات المنطقة والتواصل مع أبنائها وهي جوانب تستحق أن تُقرأ في سياق مسيرة العمل التنموي بالمملكة.. ومن يعرف طبيعة المسؤولية في إمارات المناطق يدرك أنها ليست عملًا مكتبيًا ينتهي بانتهاء ساعات الدوام، بل هي متابعة لشؤون الناس واستماع لمطالبهم وتواصل مع مختلف فئات المجتمع وسعي إلى تحقيق تطلعاتهم في حدود الإمكانات والصلاحيات.. ثم جاءت مرحلة أخرى من مسيرة سموه الكريم حين عُيّن مستشارًا خاصًا لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله.. قبل أن ينتقل إلى العمل الدبلوماسي سفيرًا للمملكة لدى جمهورية البرتغال عام 2021م ثم سفيرًا لدى الجمهورية الهيلينية عام 2026م.

هنا أتوقف عند معنى مهم وهو أن الاستفادة من خبرات رجال الدولة لا ينبغي أن ترتبط بعمر معين أو بمنصب محدد : فالتجربة التي تُكتسب عبر عشرات السنين تظل رصيدًا وطنيًا ثمينًا ولا سيما عندما تقترن بالمعرفة الإدارية والخبرة في التعامل مع الناس ومؤسسات الدولة.. والعمل الدبلوماسي بدوره ليس مجرد حضور مناسبات أو استقبال وفود.. وإنما مسؤولية كبرى في تمثيل الوطن وتعزيز علاقاته ونقل صورته الحضارية وخدمة مصالحه ومواطنيه وبناء جسور التواصل والتفاهم مع الدول والشعوب.

من هذا المنطلق فإن انتقال الأمير سعود بن عبد المحسن من مسؤولياته الداخلية إلى تمثيل المملكة في الخارج يعكس تنوع مجالات الخدمة العامة، ويؤكد أن العطاء للوطن لا ينحصر في موقع واحد.. والمملكة اليوم بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز حفظهما الله.. تمضي في مرحلة تاريخية من التطور والتحول تتطلب الجمع بين طموحات الأجيال الشابة وخبرات الرجال الذين عاصروا مراحل البناء والتنمية فكل جيل يكمل الآخر ولا غنى للوطن عن طاقات شبابه وحكمة أصحاب التجربة.

ولعل من أجمل ما يمكن أن نقدمه لأجيالنا أن نعرّفهم بسير من سبقوهم في مواقع المسؤولية، لا من باب المجاملة وإنما من باب الوفاء وتوثيق التجارب فالأوطان التي تحفظ ذاكرة العمل والعطاء تملك رصيدًا تستفيد منه في بناء مستقبلها.

ليس المقصود من هذه الكلمات تعداد المناصب أو الألقاب بقدر ما هو التأكيد على قيمة الإنسان حين يجعل من المسؤولية أمانة ومن العمل رسالة ومن خدمة وطنه شرفًا لا ينتهي بانتهاء التكليف.

أعود إلى المشهد الذي بدأت به حديثي: فذلك السلام الذي استوقفني في استقبال ولي العهد كان مناسبة لاستحضار هذه المسيرة، والتذكير بأن تقدير الرجال لا يكون بما يشغلونه اليوم من مناصب فحسب وإنما بما قدموه بالأمس وما يواصلون تقديمه اليوم.. فكم من مسؤول غادر موقعه وبقي ذكرى وكم من رجل انتهت مهمته ولم ينته عطاؤه، وكم من تجربة تستحق أن تُروى لتكون درسًا في الإخلاص والمسؤولية والوفاء.

إن المناصب تتغير والسنوات تمضي ولكن خدمة الوطن لا تتقاعد والذكر الطيب لا يصدر بقرار وإنما تصنعه المواقف وتحفظه الأعمال وتتناقله الأجيال.. وفق الله الأمير سعود بن عبدالمحسن في مهمته الدبلوماسية وأدام على بلادنا عزها وأمنها واستقرارها وحفظ قيادتنا الرشيدة وجزى كل من خدم هذا الوطن وأخلص له خير الجزاء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد