: آخر تحديث
أسهم في بناء صرح القصيدة المعاصرة وترسيخ أسئلتها الجمالية والوجودية

رحيل محمد السرغيني..أحد أعلام الشعر المغربي الحديث

3
5
3

إيلاف من مراكش:توفي الجمعة، عن عمر يناهز 96 سنة الشاعروالأستاذ الجامعي والناقد والمترجم، الدكتور محمد السرغيني، أحد أعلام الشعر المغربي الحديث، وأحد الأصوات الشعرية التي أسهمت، منذ عقود مبكرة، في بناء صرح القصيدة المغربية المعاصرة وترسيخ أسئلتها الجمالية والمعرفية والوجودية.

وخلف رحيل السرغيني حزنا عميقا في نفوس كتاب ومثقفي المغرب، الذين أجمعوا، بمختلف أطيافهم وأجيالهم وتوجهاتهم،على القيمة الرفيعة والأثر العميق والمنجز الكبير لـ"شيخ الشعراء والنقاد المغاربة" و"فارس الحداثة الشعرية بالمغرب".

وحظيت تجربة السرغيني بتقدير كبير، بدليل لحظات التكريم الكثيرة التي حظي بها، وضمنها التكريم الذي خصه به موسم أصيلة الثقافي الدولي. وهو تكريم توج بإصدار مؤلف جماعي، نقدي توثيقي، تحت عنوان “محمد السرغيني وتحديث القصيدة المغربية”.كما حاز السرغيني على عدد من الجوائز، لعل أبرزها جائزة "الأركانة" العالمية للشعر التي يمنحها بيت الشعر في المغرب، وذلك برسم دورتها الثانية سنة 2005، كما نال جائزة المغرب للكتاب في فرع الشعر سنة 2013، عن ديوانه "تحت الأنقاض، فوق الأنقاض".

شاعر كبير

نعي بيت الشعر في المغرب "الشاعر الكبير" محمد السرغيني، "أحد آباء التحديث في القصيدة المغربية الحديثة، وأحد المؤسسين للدرس الأدبي في الجامعة المغربية، التي اشتغل بها أستاذًا منذ ستينيات القرن الماضي، حيث توزّعت اهتماماته بين الإبداع الشعري والترجمة والنقد، مستفيدًا من تكوينه الأكاديمي وإتقانه للغات الأجنبية، خاصة الفرنسية والإسبانية، مما مكّنه من الإسهام في ترسيخ حداثة الشعر المغربي إلى جانب جيل من الشعراء الروّاد".

واستحضر بيان "بيت للشعر" مسيرة السرغيني، مشيرا إلى قد بوادر تمرده على القصيدة التقليدية ظهرت منذ أواخر الأربعينيات، حين بدأ نشر قصائده بنَفَس رومانسي متأثرًا بمدرسة المهجر، وبجبران خليل جبران على وجه الخصوص، قبل أن تتبلور تجربته الخاصة التي تستحضر التراث العربي الإسلامي والخصوصية المغربية الأندلسية، منفتحة في الآن نفسه على التجارب الشعرية العالمية.

وتمتد تجربة السرغيني الشعرية، بحسب البيان، لأكثر من سبعين سنة، مما أكسبها تنوعًا وغنىً جعلها عصيّة على التصنيف، وهو ما تعكسه أعماله الشعرية غير الكاملة التي أصدرتها وزارة الثقافة المغربية سنة 2007 في ثلاثة مجلدات. ومن أبرز أعماله: "ويكون إحراق أسمائه الآتية" (1987)، و"بحار جبل قاف"(1991)، و"الكائن السبئي" (1992)، و"وجدتك في هذا الأرخبيل" (1992)، و"من فعل هذا بجماجمكم" (1994)، و"ومن أعلى قمم الاحتيال" (2004)، و"تحت الأنقاض فوق الأنقاض"(2012)، إلى جانب مجموعات أخرى نُشرت قصائدها في المجلات والملحقات الثقافية.كما نشر أعمالًا شعرية باللغة الفرنسية.

وتلقّى السرغيني تعليمه الأول بجامعة القرويين في فاس، قبل أن ينتقل في بداية الخمسينيات من القرن الماضي إلى فرنسا، ثم إلى العراق حيث حصل على الإجازة من جامعة بغداد. وفي سنة 1970 نال دكتوراه السلك الثالث من جامعة السوربون، ثم ناقش بها أيضًا أطروحته لنيل دكتوراه الدولة حول المفكر المغربي الأندلسي ابن سبعين.

وشدد البيان على الأثر البالغ الذي خلّفَه عطاءُ الراحل شعرا ونقدا وترجمة وممارسة أكاديمية وعملا ثقافيا، حيث حرص دوما على مزاوجة الشعر بالفكر، وردم المسافة بين ضفافيهما، وهو ما خول له مكانة ريادية وتأسيسية ستظل دوما محط تقدير من الحقل الثقافي والأكاديمي المغربي.

جيل رائد

نعى اتحاد كتاب المغرب السرغيني مشددا على أن المغرب الثقافي والأدبي يفقد بهذا الرحيل الأليم واحدا من كبار شعرائه ومثقفيه، والشعر العربي المعاصر شاعرا صاحب تجربة فريدة، شديدة الخصوصية والعمق، ظل طوال مسيرته الإبداعية وفيا لرهان القصيدة على التجديد والمغامرة، وعلى توسيع إمكانات اللغة والصورة والرؤيا، وعلى إقامة جسور خلاقة بين الشعر والفلسفة والتصوف والأسطورة والمعرفة.

وأوضح بيان نعي الاتحاد أن السرغيني كان واحدا من الجيل الرائد الذي أسهم في الانتقال بالشعر المغربي من أسئلة القصيدة التقليدية إلى رحابة الحداثة الشعرية، إلى جانب أسماء شعرية وازنة من جيله، وفي مقدمتها الشعراء الكبار أحمد المجاطي ومحمد الخمار الكنوني وعبد الكريم الطبال، وغيرهم من الأصوات التي شكلت، منذ أواسط القرن الماضي، منعطفا حاسما في تاريخ الشعر المغربي الحديث.

وأضاف البيان أن تجربة السرغيني بخصوصية لغوية ورؤيويةلافتة، وبنزوع دائم إلى التجريب، وإلى مساءلة المألوف وتفجير طاقات اللغة، حتى غدت قصيدته فضاء لتجاور الشعر والفكر، الحسي والروحي، التراثي والحداثي، المرئي والمستتر.

ولم تكن تجربة السرغيني الشعرية، بحسب البيان، تجربة عابرة في مسار الشعر المغربي، بل كانت مشروعا إبداعيا متكاملا، امتد على مدى عقود طويلة، وتبلور في دواوين وأعمال تركت أثرها في الذاكرة الشعرية المغربية والعربية.

وأضاف البيان أن السرغيني كان شاعرا لا يشبه إلا نفسه؛ يكتب من منطقة خاصة بين الحلم والمعرفة، وبين الغموض والكشف، وبين الذاكرة والتراث والقلق الإنساني المعاصر. وكانت قصيدته، بما فيها من كثافة رمزية وثراء لغوي وإيحاءات صوفية وفلسفية وأسئلة وجودية، تستدعي قارئا شريكا، لا قارئا عابرا. ولذلك ظل شعره مفتوحا على التأويل، قابلا لإعادة القراءة، ومحتفظا بقدرته على إثارة الأسئلة حتى بعد مرور عقود على كتابة نصوصه.

وإلى جانب الشاعر، يضيف البيان، خسر الوسط الثقافي المغربي أستاذا جامعيا وباحثا وناقدا ومترجما، أسهم في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين، وظل وفيا لفكرة الثقافة بوصفها معرفة وحوارا ومسؤولية، وبوصفها أيضا جسرا بين المغرب ومحيطه العربي والأوروبي.

وشدد البيان على أن اتحاد كتاب المغرب، وهو يودع واحدا من كبار أعضائه ورموزه، يستحضر بكل تقدير ما قدمه الفقيد للثقافة المغربية، وما تركه من أثر في الشعر والنقد والترجمة والتعليم الجامعي، وما أودعه في الذاكرة الأدبية المغربية من نصوص وتجارب وأفكار ستظل شاهدة على حضور شاعر كبير، وعلى مرحلة مضيئة من مراحل تشكل الحداثة الشعرية في المغرب.

وخلص البيان إلى أن الشعر الذي تركه السرغيني سيظل، في أبعاده الجمالية والفكرية والروحية، حاضرا في ذاكرة الثقافة المغربية، وأن غياب الشاعر لا يعني غياب القصيدة؛ فالشاعر الكبير إنما يرحل بجسده، فيما تظل كلماته شاهدة على حضوره، وممتدة في وجدان الأجيال.

الشيخ والدليل

وكتب الأديب أحمد المديني، ملخصا حجم الفقد وقيمة الراحل وتميز المنجز والتجربة: "وداعًا شيخي ودليلي ومولاي في كلية الآداب - ظهر المهراز في الستينات وأستاذ الأجيال وشاعر فاس والمغرب كله، البليغ العلّامة محمد السرغيني أولى منارات الحداثة الأدبية في العالم العربي، خريج القرويين وبغداد والسوربون. مدينٌ لك بكثير".

أب لكل الأجيال

وكتب الناقد نجيب العوفي:"يغمض محمد السرغيني جفنه، لينام ويستريح قرير العين. لقد تسنّم الرجل ذروة العمر ببهاء ومَضاء، كما تسنّم في الآن ذاته، ذروة الشعر والإبداع، بذات البهاء والمَضاء، ما وهنت العزيمة وإن وهن العظم، وما سكن الغناء والحُداء، وإن طال السّرى والسفر. هو أب لكل الأجيال. لكنه أيضا، شابّ متجدّد مع الأجيال، يُسامت بَنِيه وحفَدته في سباق الحداثة الشعرية بعتاقة وعظمة الكبار. لهذا، يصعب تصنيف محمد السرغيني زمنيا وجيليا واحتسابه على هذا الجيل دون سواه. فهو "فينيق" شعري متجدّد، موصول البعث والنشور باستمرار، يُمْهل ولا يهمل. كما يصعب تصنيفه أدبيا واحتسابه على هذا الجنس الأدبي دون سواه. فهو متنقّل من فنَن إلى فنَن، لكن يبقى الشعر ساحله وملاذه الأثير.

صوت رفيع

وكتب الناقد عبد السلام دخان: "ترجّل فارسٌ من فرسان القصيدة المغربية صهوة الحياة، وغادر الدكتور محمد السرغيني هذا العالم، تاركا وراءه أثرا شعريا ونقديا رفيعا، ومنجزا شعريا ومعرفيا متعددا ومتنوعا وعميقا في جذوره الإفريقية. رحل محمد السرغيني، أحد الأسماء المؤسسة للحداثة الشعرية في المغرب، بعد مسار طويل من التأسيس والامتداد الشعري والمعرفي، ليجعل من القصيدة فضاءً لاكتشاف اللغة، وتمظهر الكينونة. حمل الشعر عنده حساسية خاصة تجاه الزمن، والتاريخ، واتسعت تجربته لتمنح القصيدة المغربية هوية مخصوصة، وأفقا جديدا في الرؤية والتعبير، حيث تتجاور التجربة الشعرية مع الفكر الأدبي العميق".

وأضاف دخان: "ظل السرغيني شاعرا يكتب من موقع العارف بأسرار القصيدة، وأستاذا يفتح أمام طلبته أبواب التأويلية الأدبية، وناقدا يمتلك قدرة نادرة على الإصغاء إلى النص والكشف عن بنياته وممكناته الدلالية. وقد ارتبط اسمه بجيل أسهم في نقل الشعر المغربي إلى مرحلة جديدة، وجعل من الحداثة الشعرية سؤالا ثقافيا وجماليا يتصل بتحولات المجتمع والوعي واللغة".

وشدد دخان على أن الثقافة المغربية تفقد برحيل السرغيني واحدا من أصواتها الرفيعة، ويفقد الشعر فارسا ظل وفيا لقصيدته حتى آخر الطريق؛ بينما ستبقى أعماله شاهدة على شاعر جعل من الكتابة إقامةً في اللغة، ومن القصيدة أثرًا حيًا يتجاوز زمن صاحبها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات