بعد مرور تسع وخمسين عاما على هزيمة العرب في يونيو 1967م، تلك الهزيمة التي غيّرت سحنة التاريخ بكل ملامحه الجغرافية والتاريخية، وأثبتت لنا أن الهزائم لا تُقاس بما تخسره الجيوش من أرض، وإنما بما تخسره الشعوب من يقين.. بتُّ على الأقل أدرك اليوم أن يونيو «67» أخذ من العرب شيئاً أكثر خفاءً وأشد وجعاً.. أخذ منهم اللغة التي كانوا يصفون بها أنفسهم.
فجأةً بدا كل شيء أكبر من الكلمات التي قيلت عنه، وأصغر من الأحلام التي سبقته، فقد كانت القصيدة العربية قبل يونيو تعرف طريقها إلى المنبر جيداً، تصعد إليه مكتنزة بماضيها المجيد، فوّاحة بعطر الغرور، ترفع صوتها كلما ارتفع الحلم، وتستدعي التاريخ لتؤكد أن الغد لن يكون إلا امتداداً لمجدٍ قديم، فقد كان الشاعر يثق بالكلمة ربما أكثر مما يثق الجندي بسلاحه، وربما بالغ الاثنان في الثقة بما يحملان! ثم جاء هذا التاريخ.. ستة أيام فقط كانت كافية لكي يكتشف الشعر العربي أن البلاغة لا تسترد أرضاً، وأن المجاز مهما اتسع لا يستطيع أن يخفي دبابة محترقة في صحراء، وأن القصيدة التي تَعِدُ الناس بالنصر قد تجد نفسها ذات صباح مطالبةً بتفسير الهزيمة، لهذا لم يكن ما كتبه نزار قباني في «هوامش على دفتر النكسة» مجرد غضب شاعر، لقد كان غضب اللغة من نفسها، حتى كأنّ الكلمات خرجت يومها من مراياها، ونظرت للمرة الأولى إلى وجهها بلا مساحيق، وهكذا جعلت نكبة يونيو الشعر العربي يعيد قراءة ذاته من جديد فيتخفف من أثقال الخُطب، ويغادر منصة المديح القومي العالية ويتجه منكسرا لاجئاً إلى أقبية الأسئلة، هكذا أخذ أمل دنقل يلتقط من التاريخ ما يصلح لمساءلة الحاضر، لا للاختباء فيه، فيما كان محمود درويش يعيد بناء الوطن داخل اللغة بعدما ضاقت به الخرائط، أما صلاح عبد الصبور فقد كان يذهب بالهزيمة إلى أعماق الإنسان نفسه، حيث لا جيوش ولا بيانات عسكرية، هناك حيث يسقط المرء أمام خوفه ووحدته وعجزه، حتى أدونيس، في تهويمه المختلف، كان يزعزع الاطمئنان في الموروث والجاهز والمكتمل، وكأن يونيو لم يهزم جيشاً بقدر ما هزم فكرة اليقين ذاتها، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد العدو يقف في مرمى البندقية، بعد أن اكتشف الشاعر العربي أن بعض الهزائم تنمو في الداخل حيث الاستبداد، والخوف، والعقل حين يعتاد الطاعة، واللغة حين تصبح ستارةً مزخرفة تخفي خلفها واقعاً قبيحاً، وهكذا تغيّرت القصيدة.. أو لنقل هُزِمت حيث دخلها كل من السجين والمنفيّ واللاجئ والجندي المنسحب العائد بلا نشيد، تماما كما دخلتها أمّ تنتظر ابناً لا تريد أن تعرف سبب تأخر عودته كي لا تصطدم بنبأ موته.. هكذا تماما صار الرصيف أكثر حضوراً من المنصة، والإنسان أكثر أهمية من الشعار، والسؤال أكثر شرفاً من الإجابات المعلّبة، لكن أكثر ما فعله يونيو بالشعر أنه كسر مرآته القديمة، إذ لم يعد الشاعر نبياً صغيراً يتنبأ بالنصر، ولا خطيباً يضع القافية في نهاية الشعارات، لقد أصبح شاهداً قلقاً على زمنه، يشك حتى في الكلمات التي يكتبها، ويعرف أن القصيدة لا تغيّر نتيجة معركة، حينما تجاهد كي تجعل من الهزيمة كذبة جمالية، لقد انتهت حرب يونيو بعد ستة أيام فقط.. لكن هزيمة القصيدة العربية لم تنتهِ حتى الآن..
فاصلة:
الخريف الذي لا يسقط الأوراق.. يتركها خائفةً على أغصانها..!

