: آخر تحديث
أضواء

معركة "ذات الفنون" والمقدس الثقافي

3
3
4

يشهد الفضاء العام السعودي هذه الأيام حراكًا تفاعليًا عميقًا، اتخذ من منصات التواصل الاجتماعي ميدانًا لجدلٍ محتدم حول قرار جامعة الفنون الجديدة اعتماد اللغة الإنجليزية لغةً رئيسة للتدريس.

وبالرغم من أن ظاهر النقاش يبدو إجرائيًا أكاديميًا، إلا أن القراءة التفكيكية لآليات هذا السجال تكشف عن نسقٍ أعمق؛ إنه "مخاض ثقافي" يعيد ترتيب علاقة الذات بالآخر، ويتبدى كعدسة تنعكس عبرها صراع القوى في البنية المضمرة للمجتمع، في لحظة تحول تاريخي شاملة تسعى فيها الهوية الوطنية إلى صياغة تخومها الجديدة.

إن التماس المباشر والعميق للفنون مع جذور المجتمع الوجدانية هو ما جعل هذا الحوار ينزلق سريعًا نحو اصطفاف حاد، ينقسم فيه المشهد إلى تيارين يمثلان في جوهرهما صراع قوى خفيًا وشرسًا على "سلطة صياغة الوعي الجمعي". فمن جهة، يقف تيار التوجس الثقافي، أو من يمكن تسميتهم بحراس النسق التقليدي، الذين لا ينطلق موقفهم فحسب من "فوبيا الهوية"، بل من وعيٍ مضمر بأن دخول اللغة الإنجليزية إلى حقل الفنون هو سحبٌ لبساط السيطرة والتوجيه من تحت أقدامهم. فالفن واللغة هما الأداتان اللتان تشكلان قيم الجيل الجديد، ومن يملك لغة الفن يملك توجيه العقول، ولذلك فإن تدريس الفن بالإنجليزية يعني بالنسبة إليهم انتقال "سلطة التوجيه القيمية" إلى مناهج ونخب تغذت على الفكر الغربي، مما يهدد نفوذهم الرمزي داخل البنية الاجتماعية، ويعيق التخليق الإبداعي الأصيل النابع من المخيال المحلي.

ومن جهة أخرى، يبرز تيار الضرورة الإجرائية الذي يمثل القوى الحداثية والتكنوقراط، أو حراس الرؤية الجديدة، الذين يرون أن الامتلاك المعرفي لأدوات العولمة — والإنجليزية في مقدمتها — هو القوة الحقيقية التي ستجعل المجتمع فاعلًا دوليًا ومؤثرًا في السينما والمسرح والفنون الرقمية، معتبرًا الانكفاء عن هذا المعجم العالمي نوعًا من الهامشية المعرفية.

وتفضي بنا هذه الخلاصة إلى حقيقة واضحة؛ وهي أننا لسنا أمام نقاش أكاديمي بحت، بل أمام معركة حقيقية حول من يملك حق تحديد هوية المجتمع ومستقبله؛ هل هي النخب التقليدية بأدواتها اللغوية المحلية، أم النخب العولمية بأدواتها الكونية؟ هذا هو صراع القوى الخفي خلف عبارات "الحفاظ على الوجدان" أو "الضرورة العلمية".

وهنا يبرز سؤال سوسيولوجي ملحّ: لماذا يتقبل المجتمع بمرونة تامة تدريس الطب، والهندسة، والعلوم التقنية باللغة الإنجليزية، كما هو الحال في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والكليات الصحية منذ عقود، بينما يثور ثائره حين يقترب الأمر من الفنون؟

إن الإجابة تكمن في طبيعة المعرفة ذاتها؛ فالعلوم التطبيقية تُعامل مجتمعيًا كـ"أدوات وظيفية" محايدة لا تمس العمق الروحي، بينما تُمثل الفنون "المناطق الرطبة" في جدار الثقافة، وهي المساحة الوجدانية السائلة التي تتشكل فيها القيم والرموز وتُحفظ فيها الذاكرة الشعبية. لذا، فإن الاقتراب من لغة الفن هو اقتراب من "المقدس الثقافي"، مما يستدعي آليات دفاعية نفسية تلقائية لدى المجتمع لحماية هويته من الذوبان، حتى وإن كانت المفارقة التاريخية تؤكد أن أبرز النخب الأكاديمية والمنافحين عن لغة الضاد هم من خريجي أرقى الجامعات الغربية في حقول العلوم الإنسانية والسياسية.

يعيدنا هذا الاصطفاف الحاد، بالرغم من التمايز السياقي والتاريخي، إلى إحداثيات الصراع بين التيارين الحداثي والمحافظ في الثمانينيات والتسعينيات الميلادية. آنذاك، جرى التعامل مع المناهج النقدية الحديثة والشعر الحديث كنوع من الانسلاخ ومهدد للثوابت. واليوم، يتكرر المشهد بآليات نفسية مشابهة وإن اختلفت الأدوات، حيث تحول الصراع من بعده الأيديولوجي التقليدي إلى "صراع على أحقية تمثيل الهوية". إلا أن هذا الانزلاق يكشف، في عمقه، عن حاجة وطنية ماسة لهذا الحوار التطهيري لإعادة الثقافة إلى الواجهة بوصفها المصنع الأساسي للهوية بعد سنوات من انكفائها خلف قضايا مجتمعية أخرى.

وبالرغم من أن هذا الحراك يتمدد اليوم في فضاء رقمي محفوف بمخاطر خوارزميات الاستقطاب وشعبوية المنصات، إلا أنه يظل يمثل حالة صحية ونضجًا لافتًا في فضاء الإعلام الجديد؛ لقد تحول القرار الأكاديمي والثقافي من البروج العاجية للنخب إلى "المجال العام" التفاعلي، مما يرسخ مفهوم "المواطنة الثقافية".

إن هذا التمدد والجسارة في نقد التوجهات الأكاديمية لم يأتيا من فراغ؛ بل هما نتاج "منعطف سيكولوجي" قريب شهد فيه الوعي الثقافي قوته وأثر صوته المسموع. فبالأمس القريب، دار جدل حاد حول توجه بعض الجامعات لإيقاف القبول في عدد من التخصصات الإنسانية، وهو التوجه الذي تراجعت عنه المؤسسات الأكاديمية لاحقًا تحت وطأة الضغط المعرفي والنقدي للمجتمع والنخب.

هذا "الانتصار المعرفي" منح الفعل الثقافي شرعية جديدة، وجعله يدرك أن صوته بات فاعلًا ومؤثرًا في السياسات التعليمية، مما دفعه للتمدد بثقة أكبر، والاشتباك العضوي مع قضية لغة الفنون بوصفها امتدادًا لمعركة حماية القيمة المعرفية للإنسان وثقافته المحلية.

إنَّ ما يحدث اليوم في المشهد الثقافي السعودي ليس دليلًا على انقسام، بل هو مؤشر صاخب على أن الهوية السعودية كائن حي يتفاوض مع ذاته ومع العالم في آن واحد. ومن رحم هذا التشابك والجدل، لا ننتظر حلولًا تلفيقية معلبة، بل نرقب تشكّل وعي تركيبي وقلق معرفي مستمر، يعيد موضعة الثقافة كركيزة أصلية في قيادة التحول، ممهدًا الطريق لتأسيس عقد ثقافي جديد تتمدد فيه الأسئلة الفلسفية لتصبح جزءًا لا يتجزأ من صياغة المستقبل اليومي للمجتمع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات