محمد ناصر العطوان
دعنا نعود بالزمن إلى الوراء قليلاً، وننزع عن الأحداث التاريخية غلافها، لنقرأها بعين الإنسان، بضعفه، وبقلقه، وبأوجاعه... دعنا نذهب إلى مكة، تلك المدينة التي كانت تمثل المكان الأبرز في الجزيرة العربية، حيث تتجمع النخب، وتُحاك المؤامرات، وتنتشر الإشاعات أسرع من النار في الهشيم.
تخيل معي هذا المشهد النفسي البالغ التعقيد... رجل يصعد إلى غار حراء، ويتنزل عليه الوحي بأعظم رسالة في تاريخ البشرية... يواجه قومه، يتحمل الأذى، يقف وحيداً ضد تيار من الجاهلية الصلبة، متكئاً على حبل متين يربطه بالله... ثم، وفي لحظة مباغتة... ينقطع هذا الحبل. يصمت الوحي... يتوقف جبريل عن النزول... ويتوقف كل شيء.
تمر الأيام ثقيلة، بطيئة، والرسول ﷺ ينتظر... يمر أسبوع، أسبوعان، شهر... ستة أشهر... ولا شيء.
هنا، لم يرحم «إعلام مكة» هذا الموقف... في مجتمع يعشق الاصطياد في الماء العكر، انطلقت الماكينة الإعلامية لقريش بأقصى طاقتها... لم تكن هناك منصات تواصل اجتماعي، لكن كانت هناك «أندية قريش» و«دار الندوة»، وكانت هناك مجالس النميمة التي تتزعمها شخصيات مثل «أم جميل» (زوجة أبي لهب).
بدأت الألسنة تلوك الإشاعات بشماتة مقيتة.
تخيل عزيزي القارئ! حجم الضغط النفسي المرعب... إنها ليست طعنة من عدو في ساحة معركة، بل هي حرب استنزاف نفسية تستهدف الروح... والنبي ﷺ، قبل أن يكون نبياً، هو بشر... لحم ودم ومشاعر، لذلك فقد انتابه القلق والخوف، ليس خوفاً من شماتة قريش التافهة، بل رعباً من فكرة واحدة كادت تعتصر قلبه وهي هل فعلتُ شيئاً أَغضبَ الله؟ هل قصرتُ في تبليغ الأمانة؟ ولو كان محمد ﷺ مدعياً -كما زعموا- لكان الحل في غاية السهولة؛ كان بإمكانه أن يخرج عليهم في اليوم التالي ويتلو عليهم آيات من تأليفه ليُسكت ألسنتهم... لكنه ليس مزوراً أو مدلساً، فلم يفعل.
صمتَ بأمانة، وتألم بصدق، وانتظر بصبر الموقن الذي يتقلب على جمر القلق، تاركاً إياهم يهرفون بما لا يعرفون.
ثم... وفي ذروة هذا الاختناق النفسي، وحين بلغت الشماتة منتهاها، انشقت السماء مرة أخرى... لكن هذه المرة، لم ينزل الوحي بصيغة الأوامر الصارمة، ولا بآيات التهديد والوعيد لتدمير قريش... بل نزل الوحي ليمارس أعظم «احتواء نفسي» في تاريخ النصوص البشرية المقدسة.
نزل الوحي ليقسم بالضحى (لحظة إشراق النور ودفئه)، وبالليل إذا سجى (لحظة السكون والهدوء)، ليقول للقلب المنهك: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾.
يا محمد، ربك لم يتركك، ولم يهجرك، ولم يبغضك.
ثم تنتقل الآيات من الطمأنينة الحالية، إلى البشارة المستقبلية: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾. وتُذكره بعناية الله القديمة به، حين كان يتيماً فآواه، وضالاً فهدى، وعائلاً فأغنى. وكأن الله يقول له: من اعتنى بك وأنت طفل يتيم في شعاب مكة قبل أن تعرف النبوة، هل يتركك وأنت رسوله وحبيبه الذي يحمل نوره للعالمين؟
إن استحضار هذا المشهد التاريخي ليس مجرد سرد لقصة من الماضي، بل هو دواء لكل إنسان يشعر في لحظة من لحظات حياته أن أبواب السماء قد أُغلقت في وجهه، أو أن الله قد تخلى عنه في زحمة الابتلاءات وشماتة الأعداء وتخلي الأقربين.
علَّمَنا صمت الوحي أن الله قد يؤخر الفرج، ليس تخلّياً، بل حكمةً، ليميز الخبيث من الطيب، وليُخرس ألسنة المرجفين في النهاية برد لا يترك للشك مجالاً.
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

