: آخر تحديث

ستبقى ذكراك حية يا مهدي

3
4
5

موسى بهبهاني

عندما نتذكر ونشتاق لأحبة غيّبهم الموت عنا نستعيد أطيافهم... كلماتهم... ابتساماتهم... مواقفهم... ويخفق القلب شوقاً ومحبةً لهم، فتفيض العين دمعاً على فقدهم.

بالرغم من أننا نتمسك برباطة جأشنا أمام الأسرة، إلا أنها تكون لحظة المواجهة بين القوة الظاهرية والانكسار الداخلي لأجل مَنْ رحلوا عنا، فتنهمر دموع الاشتياق من القلوب المنكسرة ألماً واشتياقاً للأحبة. علماً بأن هذا الانكسار ليس ضعفاً إنما هو قمة الوفاء والاشتياق والمحبة لمَنْ رحلوا وتركوا لنا الذكريات الطيبة.

حينما نشتاق...

يأخذنا الحنين لأماكن وأحداث اعتقدنا أننا تناسيناها وتلاشت مع مرور الأيام، إنما هي لحظات لن نتمكن من مسحها، بل نظل نسترجعها لا إرادياً، فأتذكر تلك اللحظات بكل تفاصيلها، فمنها الأحداث المفرحة ومنها الحزينة.

ففى فجر يوم 13/5/2021 كنت نائماً فتلقيت اتصالاً من ولدي محمد، يبلغني بأن أخيه مهدي، قد تعرّض لحادث سير وتم نقله إلى المستشفى، وطلب مني مرافقته للتوجه إلى المستشفى للاطمئنان عليه، فتمنيت مراراً وتكراراً بأن ذلك حلم وليس حقيقة.

- كنتُ أدعو المولى عز وجل طوال الطريق بأن يكون ولدي مهدي، بخير، وكم كان الطريق طويلاً بالرغم من قصر المسافة، وكان الوقت يمر ببطء شديد، وكنتُ في صراع داخلي بين المنطق والعاطفة، فكان العقل يقول بأنني فقدتُ ولدي، والقلب يعتصر ألماً وحزناً على فراقه، وكأنما كان العقل والقلب على توافق تام للمرة الأولى في تحديد حياة إنسان.

ولستُ أدري كيف وصلت سالماً إلى المستشفى من فرط التأثير والقلق اللذين أخذا كياني كله، وعند الوصول إلى المستشفى وبجانب المدخل كان في استقبالي ثلاثة موظفين فبادرتهم بالسؤال أين ولدي؟ فأبلغوني بالتوجه معهم إلى المكتب!

وهنا أحسست بالخبر المفجع... وكرّرت القول أين مهدي؟ فأبلغوني تفضل عمي وارتاح وراح نروح له؟ فأصررت على التوجه إلى ولدي بالرغم من محاولاتهم، فرافقوني بالتوجه إلى إحدى الغرف منتظرين قدوم الدكتور في قسم الحوادث... وجاء الطبيب فأبلغته أين ولدي؟ فسكت وحاول تهدئتي؟ وكررت أين ولدي؟ فقال: عظم الله أجرك.

وكان هذا الخبر صاعقة على قلبي ولا أعرف كيف تمالكت نفسي.

فأبلغته بأني أود رؤيته؟

وبعد مرور بعض الوقت جاءوا به ممدداً على السرير ومغطى بغطاء، فقمت بقلب مكسور وبدموع ساكبة برفع الغطاء ببطء شديد ويداي ترتجفان وأنا لاأزال غير مصدق بأن يكون الممدد أمامي هو - مهدي - قد فارق الحياة... فاقتربت منه وكان نائماً قرير العين أكلمه لا يجيب، فقبّلت جبينه واحتضنته وكم تمنيت بأن أكون أنا بدلاً عنه في تلك اللحظة.

ولكنها هي الحقيقة أن الموت حق وهو قاتل اللذات ومفرّق الأحباب.

«كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ»

وأتذكر اللحظات الجميلة التي جمعتنا معاً خاصةً في بداية الابتعاث للخارج.

حيث كنت يا ولدي -مهدي - تتحمل كامل المسؤولية بين الالتزامات والدراسة الأكاديمية، وإدارة شؤون الحياة اليومية بصورة مستقلة، وكنت أراك طالباً ومسؤولاً في آن واحد.

ناهيك عن تقديم العون والمساعدة للطلبة المستجدين في البحث عن السكن المناسب وتقديم النصح في اختيار المواد.

وكان أملي أن تكون معنا في الحياة لتحقق حلمك في خدمة وطنك وتؤدي الرسالة والغاية من التحصيل العلمي، حيث لم يفارقك حب الوطن بالغربة، أخذت علم الكويت معك إلى بريطانيا ووضعته في صالة مسكنك، وهكذا هو حب الأوطان فالوطن أمانة في أعناقنا وكما جاء فى الأثر: «حب الوطن من الإيمان».

-مَنْ لا يشكر الناس لا يشكر الله

رسالة شكر خاصة لكل فرد من الأصدقاء والأحبة والأهل الذين وقفوا بجانبي بفقد ولدي - مهدي - أشكركم من القلب شكراً لا حدود له على التعزية والمواساة، وكان شعوركم النبيل قد خفف عني الكثير من الحزن والألم، وأسأل المولى عز وجل بأن يحفظكم من كل مكروه.

الحمدلله الذي أعطانا فشكرنا، ثم أخذ منا فصبرنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ختاماً،

ففي كل حادث سير قصة، انتهت قبل أوانها، وأحلام توقفت عند لحظة طيش كان من الممكن تفاديها، ولكن أثرها يبقى إلى الأبد وتترك قلوباً منكسرة و ألماً لا يزول.

وداعـــاً حبيبــي لا لقــاء إلى الحشــر*** وإن كــان في قلــبي عليـــك لظى الجمــر

صـــبرت لأنــي لم إجــد لي مخلصاً*** إليــك ومــا من حيلــة لي سـوى الصـــبر

أهديت للترب أحلى العمر أجمعه

فمَنْ يعيد لي العمر الذي ذهبا

ما كنت أحسب أنَّ الدهر يفجعني

حتى رأيت عليك القبر منتصبا

«إنا لله وإنا إليه راجعون»


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد